رحلةٌ بلا ضمانات.. في عربات “الجار والمجرور” بغزة!
تقرير صحفي: لميس الهمص
عند الخامسة والنصف مساءً، وفي ذروة الازدحام المروري، كان أحمد عجور متشبثًا بالحافة الخلفية لـ”عربة جار ومجرور” تسحبها سيارة، فيما يتكدس داخلها ما لا يقل عن 15 شخصًا.
لم يكن أحمد يعلم أن الرحلة التي بدأها بحثًا عن وسيلة نقل ستنتهي في المستشفى، حيث اصطدمت سيارة أخرى بالعربة من الخلف، في النقطة التي كان يقف عندها عجور.
انحشرت قدمه بين الهيكلين المعدنيين، والتوت عظام مفصل ساقه السفلي وتحطمت، بينما فرّ سائق السيارة التي صدمته من المكان.
أصبح أمام عجور خيار واحد لإنقاذ قدمه من البتر، وهو الخضوع لعملية تثبيت العظام بواسطة الصفائح المعدنية، وانتظار نجاحها في إعادة القدم إلى وضعها الطبيعي.
لم تكن إصابة عجور حادثًا معزولًا عن وسيلة نقل فرضت نفسها في شوارع غزة، بعد تدمير أعداد كبيرة من المركبات والطرق خلال الإبادة، فـ”عربات الجار والمجرور”، وهي مقطورات بدائية تُربط بمؤخرة السيارات لنقل الأشخاص والبضائع، أصبحت مشهدًا متكررًا في شوارع القطاع، رغم أن تصميم معظمها لم يكن مخصصًا لنقل البشر أصلًا.
وتشير بيانات حديثة لوزارة النقل والمواصلات إلى أن نحو (70%) من مركبات غزة تحولت إلى هياكل معدنية محترقة، فيما تعرض نحو (80%) من الطرق للحفر والركام.
وفي رصد ميداني أُجري على مدار ثلاثة أيام عند مفترق المجلس التشريعي غربي مدينة غزة، أحصت معدّة التحقيق 10 مركبات تُجر “عربات الجار والمجرور”، مقابل مركبة أجرة تقليدية واحدة. ولا يمثل هذا الرصد نسبة انتشار لهذه الوسيلة في القطاع، لكنه يعكس حضورها اللافت في أحد شوارع المدينة الحيوية.
وتشير وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا”، عبر موقعها الإلكتروني، إلى ارتفاع حوادث السير بصورة مقلقة منذ اندلاع الإبادة، ما أدى إلى مئات الوفيات والإصابات.
“وسيلة رزق”
بالنسبة إلى وائل عبد الله (40 عامًا)، لم تكن عربة الجار والمجرور خيارًا مهنيًا بقدر ما كانت وسيلة للبقاء، فقد تحولت سيارته القديمة إلى مصدر دخله الوحيد بعد تدميرها، ولم يجد أمامه سوى تعديلها لعربة جر لنقل الركاب.
يقول: “هذه الوسيلة تشكل خطرًا كبيرًا”، موضحًا أن العربات المستخدمة تفتقر في الغالب إلى إطارات جديدة، فيما أصبحت قطع غيارها القديمة مكلفة ونادرة.
ورغم ذلك، يواصل عمله، الذي يصفه بالمرهق، مضيفًا: “بنمشي وإحنا خايفين”. ويزيد: “السائقون يحاولون اتخاذ إجراءات احترازية لحماية الركاب، من بينها تخفيف السرعة والسير بحذر”.
أما أحمد عطا الله (28 عامًا)، فيرى أن العربة التي يستخدمها أكثر أمانًا من غيرها، بعدما أدخل عليها تعديلات وعمليات تدعيم، ويقول: “أنفقتُ نحو 15 ألف شيكل على تقوية نقاط الربط واللحام فيها”.
لكن حمادة محمد (32 عامًا)، الذي يقود عربةً أخرى، يرى أن مستوى الأمان يختلف من عربة إلى أخرى، بحسب طريقة تصنيعها وعدد عجلاتها. ويتذكر حادثة انفصلت فيها عربة ذات عجلتين عن السيارة أثناء سيرها، واصطدمت بمركبة السحب.
ويؤكد أنه أجرى بدوره تعديلات على عربته، لكن عندما سألته معدة التحقيق عما إذا كانت هناك جهة حكومية أو شرطة مرور تراقب هذه العربات، أجاب بوضوح: “ما في أي رقابة حاليًا”.
وخلال الاستماع الميداني إلى أكثر من 100 راكب من مستخدمي هذه الوسيلة في رحلات ذهاب وإياب، عبّر نحو (90%) منهم عن غضبهم من غياب الرقابة ومخاوفهم المتعلقة بالسلامة، بينما قال نحو (10%) إنهم يستخدمونها اضطرارًا لعدم وجود بدائل متاحة.
تُصنع بحسب المتاح!
في إحدى ورش الحدادة، يعمل محمد حمد على تصنيع عربات الجار والمجرور التي تستخدم لنقل الأشخاص والبضائع.
ويخبرنا أن العربة تتكون في الأساس من صندوق حديدي تُثبت به العجلات، ثم تُربط بالمركبة التي تجرها، مشيرًا إلى أن ارتفاع سعر الحديد منذ بداية الإبادة وصل إلى نحو (80%) للمتر الواحد.
ولا تتشابه العربات في تصميمها، فبعضها لا يحتوي على نظام تعليق، بينما تستخدم أخرى النوابض -وفق حمد- الذي يؤكد أن الثانية أكثر أمانًا وراحة أثناء الحركة، لكنها أقل طلبًا من الزبائن.
ويقول: “بعض الزبائن لا يضعون السلامة على رأس أولوياتهم، كما أن شكل العربة ومواصفاتها يتحددان إلى حد كبير وفق مقاسات الحديد المتوفرة وطلب الزبون”.
ويتراوح سعر تصنيع العربة -بحسبه- حول (17) ألف شيكل، فيما تبدأ تكاليف صيانتها المتكررة من نحو 300 شيكل.
وخلال زيارة ميدانية إلى عدد من العربات برفقة حمد، فحصت معدة التحقيق مدى ملاءمتها لنقل الركاب، ولاحظت غياب أحزمة الأمان عن العربات التي جرى تفقدها، حتى تلك التي استقلّتها خلال الرصد الميداني، ما يعني أن الراكب قد يجد نفسه عرضة للقذف خارجها عند التوقف المفاجئ أو وقوع اصطدام.
لم تُصمّم لنقل البشر!
تتجاوز المشكلة غياب حزام الأمان، بحسب المهندس الميكانيكي ممدوح الحايك، المحاضر في هندسة السيارات والرئيس السابق لورشة “يوكاس” في الكلية الجامعية للعلوم التطبيقية.
ويقول: “معظم عربات الجار والمجرور تفتقر إلى أنظمة أساسية للفرامل والتعليق والحماية”، فالعربة في الغالب لا تمتلك فرامل مستقلة، وتعتمد في إيقافها على فرامل السيارة التي تجرها.
ويتابع: “عند التوقف المفاجئ أو الاصطدام، تندفع كتلة الركاب إلى الأمام بفعل القصور الذاتي، بينما لا توفر المقاعد غير المجهزة أو غياب الأحزمة ما يكفي لحمايتهم”.
ويحذر الحايك من أن انفصال العربة عن المركبة أثناء الحركة قد يؤدي إلى إصابات بالغة، بينها كسور في الأطراف السفلية وقد تصل إلى البتر.
وتزداد المشكلة مع الحمولة، فإذا حملت العربة (20) شخصًا بمتوسط وزن (70) كيلوغرامًا للفرد، فإن الحمولة الإضافية تتجاوز (500) كيلوغرام، فيما تكون السيارة التي تجرها في الأساس سيارة ركوب عادية صُممت لنقل عدد محدود من الأشخاص، وليس لتحمل قوة السحب والوزن الإضافي.
ويشرح أن العربات المستخدمة اليوم صُممت أصلًا لنقل مواد البناء والأخشاب والبضائع، لا البشر، ولذلك فإن المقاعد الموجودة فيها “غير مهيأة إطلاقًا” لنقل الركاب، وهو ما يزيد المخاطر على الأشخاص الذين يعانون أصلًا من إصابات في العمود الفقري أو الرقبة أو الأطراف.
وبحسب الحايك، لا يمكن ترك تصنيع هذه العربات لطلبات الزبائن وقدرات ورش الحدادة وحدها، بل يجب أن تستند إلى مخطط هندسي معتمد يحدد الأبعاد ونوع الحديد ونقاط الربط والحمولة ونظام التعليق والفرامل، على غرار المقطورات الحديثة التي تعمل فراملها بصورة متزامنة مع المركبة الساحبة.
ويضع الحايك الخطر في صورة أكثر وضوحًا بقوله: “أي حملة تفتيش حقيقية من وزارة النقل والمواصلات تُسقط جميع المركبات الموجودة في السوق المحلي دون استثناء”.
إصابات تتكرر..
ولا يتوقف الخطر عند احتمالات الاصطدام أو انقلاب العربة، حيث أصيبت الخمسينية أم محمد حلس، أثناء نزولها من إحدى هذه العربات.
وبحسب رواية ابنتها، “لم يمنحها السائق وقتًا كافيًا للنزول، فسقطت قبل أن تمر عجلات العربة فوق قدمها”.
تهشمت ركبتها وتفتت العظم، وأصبحت بحاجة إلى استبدالٍ كاملٍ للمفصل، وهي عملية لم تكن متاحة في غزة.
تقدمت الأسرة بطلب لتحويلها للعلاج في مصر قبل نحو عام، لكن التحويل لم يُفعّل حتى وقت إجراء هذه المقابلة.
وفي السادس والعشرين من تموز/ يوليو الماضي، انقلبت إحدى عربات الجار والمجرور قرب مقر مجلس الوزراء، مقابل ملعب الوحدة بمدينة غزة.
وانتشر تسجيلٌ مصورٌ للحادثة عبر وسائل الإعلام، فيما نُقل ثلاثة مصابين إلى مستشفى القدس، من بينهم مصاب تعرض لبتر كامل في إحدى يديه.
وفي مستشفى شهداء الأقصى، الذي استقبل عددًا من هذه الإصابات، يقول طبيبٌ طلب عدم ذكر اسمه: “إصابات حوادث عربات الجار والمجرور تصل إلى المستشفى بصورة شبه يومية”، مشيرًا إلى تسجيل وفيات أيضًا.
ماذا يقول القانون؟
رغم أن “عربات الجار والمجرور” لم تكن حاضرةً بالاسم في قانون المرور الفلسطيني رقم (5) لسنة 2000م، فإن استخدامها لنقل الركاب مقابل أجر لا يخرج تلقائيًا عن الإطار القانوني المنظم للنقل.
فالقانون يشترط ترخيص المركبات المستخدمة في نقل الركاب، كما تتطلب خطوط النقل العام ترخيصًا، وتنص اللائحة التنفيذية على ارتباط عدد المقاعد والركاب ومواصفات المركبة بما هو محدد في الترخيص، وتحظر نقل الركاب مقابل أجر في مركبات غير مخصصة لهذا الغرض.
كما تحظر المادة (24) تغيير قياسات المركبة أو وزنها أو حمولتها، أو إضافة تجهيزات إلى الهيكل أو “الشاسيه”، إلا بعد الحصول على موافقة جهة الترخيص المختصة.
وبذلك، فإن الضرورة التي فرضتها الحرب لا تعني تلقائيًا أن أي تعديل على المركبات أو استخدامها لنقل الركاب يصبح مستوفيًا لشروط الترخيص والسلامة، إذ تبقى المواصفات الفنية وإجراءات الترخيص والحمولة جزءًا من الإطار القانوني.
وتكشف أرقام شرطة المرور عن تسجيل (586) حادث سير خلال النصف الأول من عام 2026م، أسفرت عن وفاة (36) شخصًا وإصابة (344) آخرين.
وسجلت محافظة خان يونس، جنوبي القطاع (279) حادثًا، مقابل (162) في مدينة غزة، و(129) في المنطقة الوسطى، بينما سجلت مدينة غزة العدد الأعلى من الوفيات.
لكن هذه الأرقام لا تقدم رقمًا مستقلًا لحوادث عربات الجار والمجرور، إذ أبلغ مركز المعلومات بوزارة الصحة معدّة التحقيق بعدم توفر بيانات منفصلة لهذه الحوادث، وتُدرج الإصابات الناتجة عنها ضمن إجمالي حوادث المرور.
كما أن الأرقام الرسمية لا تعكس بالضرورة جميع الحوادث، إذ لا تُسجَّل كل الوقائع رسميًا، ولا يصل جميع المصابين إلى المستشفيات.
من المسؤول عن الرقابة؟
ومع اتساع استخدام عربات الجار والمجرور، تتقاطع مسؤولية مراقبتها بين شرطة المرور ووزارة النقل والمواصلات. ويقول العقيد محمد الزرقة، المتحدث باسم الشرطة بغزة: “إن استمرار النزوح وتكدس السكان في مساحات محدودة من أبرز أسباب زيادة الحوادث، إلى جانب السرعة وعدم الحذر والحفر والركام في الطرق”.
ويضع الزرقة عربات الجار والمجرور ضمن الأسباب الرئيسة للحوادث، ويقر بأنها تفتقر إلى عناصر السلامة والمتانة الإنشائية اللازمة، مشيرًا إلى أن الخطر لا يقتصر على انقلابها أو انفصالها عن المركبة، وإنما يشمل أيضًا سقوط الركاب منها أثناء الحركة.
ويؤكد أن الشرطة نفذت جولات ميدانية مشتركة مع وزارة النقل والمواصلات للتوعية بالسلامة، وعملت على تحديث إشارات المرور وفتح بعض الطرق، إلى جانب تنفيذ خطط هندسية في المناطق الجنوبية.
كما رفعت الشرطة توصيات باتخاذ إجراءات قانونية بحق المخالفين والعمل على تنظيم أوضاع السائقين والمركبات، في ظل استمرار الحاجة إلى معالجة الوضع القانوني والفني لهذه الوسيلة.
وتأخر الحصول على إفادة رسمية من الشرطة لنحو شهرين، في ظل ملاحقة الاحتلال الإسرائيلي لأفراد الشرطة واستهدافهم، الأمر الذي جعل التنسيق والحركة الميدانية أكثر حذرًا وتأخرًا.
من جهته، يقول أنيس عرافات المتحدث باسم وزارة النقل والمواصلات: “قطاع النقل يعمل في ظروف استثنائية وصعبة، نتيجة الحصار وشح قطع الغيار وارتفاع أسعار الوقود، ما أدى إلى ظهور وسائل نقل اضطرارية مثل التوك توك وعربات الجار والمجرور”.
ويقر عرافات بأن معظم هذه العربات لا تستوفي الحد الأدنى من معايير السلامة والأمان، لكنه يربط ظهورها بالدمار الذي أصاب المركبات والطرق وإشارات المرور، وبصعوبة إدخال المركبات الجديدة وقطع الغيار إلى القطاع.
وتعمل الوزارة -وفقًا له- على خطة مؤقتة للتعامل مع هذه الوسيلة، تتضمن فحصًا فنيًا أساسيًا للفرامل والإطارات، والتحقق من المواصفات والأوزان، ووضع دليل فني مؤقت يفرض وجود إضاءة ليلية وعواكس ضوئية وفرامل مزدوجة ومقاعد ثابتة.
لكن تنفيذ الخطة يواجه صعوبات مرتبطة بمنع إدخال قطع الغيار، وتدهور الوضع الاقتصادي والطرقات، إضافة إلى حساسية اتخاذ إجراءات عقابية بحق سائقين يعتمدون على هذه الوسيلة مصدرًا لدخلهم.
ويرى عرافات أن الحل الجذري لأزمة النقل يكمن في إعادة تشغيل نظام الحافلات العامة، وهو أمر يرتبط بفتح المعابر، ولا يقع بمجمله ضمن القرار المحلي.
تقف عربات الجار والمجرور بغزة في منطقة رمادية.. وسيلة نقل فرضتها الحاجة، لكنها تحمل ركابًا في هياكل لم تُصمم أصلًا لحمايتهم.
وبينما تقر الجهات الرسمية وجود مخاطر، وتعلن عن خطة مؤقتة لتنظيمها، تبقى الأسئلة الأهم معلقة: كم عربة خضعت فعلًا للفحص؟ وما الذي جرى بحق العربات غير المستوفية للشروط؟ ومتى تتحول المواصفات المعلنة إلى إجراءات على الشارع؟
تنويه: تم اعداد هذا التحقيق الاستقصائي بدعم من الاتحاد الأوروبي ضمن مشروع Engage تنفيذ جمعية فلسطينيات بالشراكة مع جامعة النجاح الوطنية. ولا يعكس محتوى هذا التحقيق بأي شكل من الاشكال وجهة نظر الاتحاد الأوروبي.
مقالات الرأي عبر موقعنا الإخباري تمثل كُتابها، ولا تعبر بالضرورة عن أفكار وتوجهات المؤسسة. نوفر هذه المساحة كمنبر حر يتيح للجميع التعبير عن أفكارهم وآرائهم، بإحترام وبما لا يتعارض مع القيم والمصالح العامة للشعب الفلسطيني.