غرباء في ديارهم: الاحتلال يعيد تشكيل ملامح جنين ويغتال ذاكرتها المكانية
تقرير: أنسام سباعنة
لم يعد التجريف والإغلاق مجرد أحداث عابرة تتصدر نشرات الأخبار في محافظة جنين، بل تحولا إلى جرح يومي يختبر فيه السكان قسوة (استلاب المكان) والغربة في الوطن.
فأمام الحصار المتواصل وعمليات الهدم الممنهجة، وجد المواطن نفسه غريباً في مدينته، يفتش عنها حائراً في الذاكرة، بعد أن فرض الواقع البصري والمعيشي الجديد طمساً مأساوياً لهوية المكان وملامحه المعتادة.
الفجوة ما بين الذاكرة والواقع الحاضر
لم تعد معالم المدينة جنين تمنح الشعور بالأمان، بل أصبحت مواجهة مع ذاكرة تواجه الفقد. حيث تصف شهادات أهالي المدينة، هذا التحول بأنه فجوة حادة بين شكلاً ذهنياً للمدينة المخزنة في العقول، و واقع قائم على الأرض من هدم، سلب أراضي، وتوسع البؤر الاستيطانية والأعلام على شوارع ومناطق مختلفة حول المدينة.
تقول تالا، وهي طالبة طب ذهبت لإكمال تدريبها في الأردن لعدة شهور، وعادت لتلاحظ تغييراً لمعالم البلد؛ ما سبب لها فجوة بين ما كان وما هو الواقع الان، تقول:
“أن تسير في شارع حفظت كل حجر فيه لتجد أن معالمه اختفت، أو أن مكاناً كبرت معه قد انهدم وصار ركاماً، يجعلك تقف مشدوهين. الصعوبة ليست في الغياب عن جنين، بل في العودة إليها واكتشاف أن النسخة التي تحملها في رأسك أصبحت أقدم من الواقع الذي تحاول استيعابه، كل ما يمكنني قوله أنني اشعر بالغرابة.”
تراجع اقتصادي وحصار يومي
ولا تقف حدود الغربة عند المشهد بصرياً فقط، بل تمتد لتفاصيل الحياة اليومية والضغوط الاقتصادية التي تحاصر العائلات؛ حيث أصبحت الحركة بين الأحياء أو القرى المجاورة رحلة مشقة عبر الحواجز والطرق الملتوية، وسط تدهور القدرة التشغيلية للمحال التجارية وارتفاع الأسعار.
وتسرد حنين تجربة فتح مشروعها في ظل هذه الظروف، مؤكدة أن محاولة تأمين دخل مستمر أصبحت أشبه بالمستحيل. فمع تراكم الأزمات وضياع رأس المال، يجد صاحب المشروع نفسه عاجزاً عن الاستمرار أو حتى التوقف، لدرجة العجز عن تغطية التكاليف الأساسية كتشغيل كهرباء المحل في ظل انعدام الحركة التجارية وانقطاع.
ولا يتوقف الاستنزاف عند حدود الخسائر المالية، بل يمتد ليكون خطراً على السلامة الجسدية والنفسية للأسرة؛ حيث أصبحت زيارة معتادة لمنزل اختها مصحوبة بمعاناة للوصول بعد ان أصبحت تبعد عنهم مسافة ثلاث حواجز وطرق ملتوية وطويلة.
صور عن الماضي والحاضر
تتضاعف حدة هذا الشعور لدى المغتربين عند عودتهم للمدينة بعد غياب طويل؛ حيث يصطدم الحنين المتخيل بشوارع تغيرت ملامحها وتفاصيلها، وتتحول محاولة إعادة اكتشاف الأماكن القديمة إلى رحلة تفتيش عن الزمن والذات.
تصف مريم، وهي فنانة، تتحدث عن تجربة عودتها بزيارة من أوروبا الى البلاد قائلة:
“اخر مره تركت جنين مخي جمد صوره معينه واحساس معين عن البلد، وكنت متخيله اول ما ارجع رح الاقي كل شيء زي ما تركته. وهناك بلشت ادور.. ادور على الناس، على الشوارع، على الاحساس اللي بعرفه عن هي البلد.. ادور على الصوره اللي خزنتها من اخر مره”
وتطرح مريم عدة تساؤلات عن شكل المدينة: “وينها؟ وين راحت الناس؟ ليش الشوارع هاديه؟ ليش المحلات مسكره؟ ليش الأزقة فاضيه؟ ليش الاولاد الصغار بعدهم بيلعبوا لعبه جيش وعرب؟ مش وعدناهم مستقبل احسن والعاب احسن؟ ‘عبود’ عمره خمس سنين وحلمه لما يكبر يصير شهيد! المقابر كل مالها بتزيد، بدل المستوطنه صاروا ثلاث، ليش اهل المخيم مش بالمخيم؟ ليش صار عادي اشوف
جنود مشاة؟”
مقاومة ركيزتها الذاكرة
ي مواجهة محاولات محو الهوية والتغيير القسري للمكان، يتحصن أهالي جنين بالذاكرة كخط دفاع أخير، متمسكين بملامح مدينتهم وشوارعها التي كادت أن تطمسها الجرافات. إن الحفاظ على الصورة الذهنية للمكان بات شكلاً من أشكال النضال اليومي ضد النسيان.
ويبقى السؤال: كيف يمكن للإنسان أن يعيد ترميم شعور الانتماء، حين تتحول مساحات الطفولة والذكريات إلى أطلال غريبة، ويجد نفسه غريباً في المكان الذي طالما تنفس فيه؟