تحقيق صحفي: مزارعو الأغوار.. يواجهون الضمّ وحدّهم
تحقيق ميس أبو غوش
تسعى اسرائيل منذ نكبة عام 1948، إلى السيطرة على الأغوار الشمالية وتحويلها لمستوطنات تخدم مشروعها الاستعماري، وما يرافقه من تغير للتركيبة الديموغرافية للسكان واقتلاع للفلسطينيين من أرضهم. وبحسب مركز الإحصاء الفلسطيني، فإن عدد سكان الأغوار خلال عام 2023 لم يتجاوز 65 ألف فلسطيني بالمقارنة مع عام 1967 كان عددهم يبلغ 320 ألف.
وتنبع أهمية الأغوار بموقعها الجغرافي وامتدادها على مساحة 720 ألف دونم، وتوصف بأنها سلة الغذاء الفلسطيني لمساهمتها في الإنتاج الزراعي الذي يشكل 60% من انتاج الخضروات و30% من الفواكه في الضفة الغربية، وذلك بحسب وزارة الزراعة الفلسطينية. لذلك، السيطرة على هذه المساحات من الأراضي وخيراتها، يهدد استقلال الاقتصاد الفلسطيني ويفرض التحكم في 40% من الموارد المائية في الضفة الغربية، بحسب الباحث فؤاد أبو سيف.
وعلى مدار سنوات النضال، يواجه الفلسطيني في الأغوار مخططات الاستعمار، وكان آخرها مشروع ضم الضفة الغربية والأغوار الفلسطينية خلال عام 2025، والذي أعلن عنه “بتسلئيل سموتريتش” وهي خطة جاهزة للتنفيذ منذ عام 2020، وأعيد الحديث عنها خلال الحرب على قطاع غزة. وبالتزامن مع ذلك سهلت حكومة الاحتلال عملية الاستيطان وانتزاع الأراضي، عبر عدد من القرارات والتصريحات، كتصريح صدر عن وزير الزراعة الاسرائيلي “آفي ديختر” عبر منصة “إكس”، وجاء فيه: بدأ مزارعو يهودا والسامرة في الحصول على منح الرعي التي يستحقونها، تمامًا كما يحصل عليها أي مزارع في اسرائيل، الزراعة المزدهرة في يهودا والسامرة هي واحدة من الاحتياطات الزراعية المهمة لدولة اسرائيل.
يحاول هذا التحقيق، قراءة وتسليط الضوء على دور وزارة الزراعة الفلسطينية في إعداد سياسات وخطط لتنمية الزراعة، ومدى تعزيز قدرة المزارع الصمود على الأرض، في ظل تسارع عجلة الاستيطان والمشاريع الإسرائيلية.
“تمرّ المياه تحت منازلنا.. ولا نستطيع شرب نقطة واحدة منها”
وقال المزارع عبد الرحيم بشارات من البقيعة في الأغوار الشمالية، أنّ الاحتلال يستهدف المزارعين عبر ممارسات للإستيلاء على الأراضي الزراعية والتوسع الاستيطاني، ومنها نصب الحواجز لمنع مزارعي البقيعة الوصول إلى أراضيهم ويسمح لحاملي هوية منطقة أريحا وعين الحمرا، بالرغم من أن المنطقة تابعة إداريًا لمحافظة جنين، وتابع قائلاً: ذلك يُجبر المزارع ترك أرضه لتسيطر اسرائيل عليها بموجب قانون البور.. ونحن بدورنا نقوم باستئجار الأراضي وزراعتها لحمايتها.
ويحاصر الاحتلال الثروة الحيوانية التي أصبحت مهددة بعد منع المرعى لصالح الاستيطان الرعوي، والتي تشكل جزءاً أساسيًا من اعتماد الأهالي عليها إلى جانب الزراعة، وقُدرت نسبتها بالمجمل في الأغوار 40.000 رأس غنم خلال عام 2023 بحسب منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحددة. ويقول بشارات بأن: “الأغنام محتجزة في منازلنا ونعتمد على الأعلاف لإطعامها بالرغم من التكلفة المرتفعة، وهذه سياسة جديدة متبعة بعد الاعتداءات التي يرتكبها مستوطني شبيبة التلال”.
وأضاف بشارات ” نواجه صعوبة في الوصول والحصول على المياه التي تمر من تحت منازلنا، ولا نستطيع شرب نقطة واحدة منها”، ويشار إلى أن اسرائيل سيطرت خلال عام 2023 على 85 % من الآبار الجوفية لصالح المستوطنات، وهو ما يحرم 60% من الأراضي الزراعية في الأغوار من الري، بحسب ورقة سياسات أعدها الباحث فؤاد أبو سيف.
ولكن، يرى بشارات أن الممارسات والتضييقيات لا تقتصر على أفعال الاحتلال، وإنما هنالك معوقات تأتي من مسؤولي السلطة الوطنية الفلسطينية والجهات الرسمية، قائلاً: “إن الجهات المختصة تُجري زيارات ميدانية ونتلقى الوعود دون تنفيذ فعلي، فمنذ اعلان اسرائيل نيتها ضمّ الأغوار، لم تُتخذ أي خطوات عاجلة لتعزيز صمودنا”.
وفي سياق متصل، اتهمَّ بشارات الجهات المختصة ومنها وزارة الزراعة بالتقصير وعدم الإستجابة العاجلة لمطالب المزارعين واحتياجاتهم. موضحاً ذلك: “توجهنا منذ 10 سنوات إلى وزارة الزراعة لإلغاء مدخلات الإنتاج الزراعي وقيمتها 16%، وتوجهنا أيضاً إلى سلطة المياه والحكم المحلي لتوحيد سعر كوب المياه الذي يصل سعره إلى 25 شيكل للكوب الواحد ويختلف سعره باختلاف المنطقة”.
فيما وجه بشارات، رسالة إلى وزارة الزراعة ومؤسسات المجتمع المدني، وطالب بضرورة عقد لقاء يشارك فيه المزارع لوضع خطة حقيقية ومواجهة مشاريع الاستعمار.
بدوره قال مؤيد أحمد وهو عامل في احدى المؤسسات الزراعية، بأنه من يعمل في الميدان هي مؤسسات المجتمع المدني بينما، وزارة الزراعة تصل ميزانيتها 1% ولا تمتلك القدرة على التأثير، بالإضافة إلى انعدام سياسات زراعية ممنهجة تهدف إلى الانفكاك من الاستعمار، مشيرًا إلى “طابع المشاريع التي تُقدم آنية ويترك المزارع وحيدًا بعد انتهاء مدة المشروع”.
وأيدَّ مؤيد أحمد المزارع عبد الرحيم، بشأن الغاء قيمة الضريبة المضافة على مدخلات الإنتاج الزراعي لتخفيف عبء العملية الإنتاجية على المزارع، ومضيفًا في حديثه لطرحٍ إضافي، بأن “يجب على الوزارة تحويل الحملات كحملة فزعة لخطط استراتيجية وإشراك قطاع الأمن في الاستجابة العاجلة لحماية المزارعين من اعتداءات المستوطنين في مناطق جيم والمحاذية للمستوطنات”.
أما عن ضرورة عقد لقاء لكافة الأطراف ذات العلاقة بالشأن الزراعي، يقول مؤيد أحمد بأن “الاجتماعات تُعقد بين مؤسسات المجتمع المدني ووزارة الزراعة، ولكنها أصبحت روتينًا دوريًا دون تحقيق نتائج”، ولفت إلى أن بعض المؤسسات تتنافس لتقديم ذات البرامج دون تحقيق تكاملية.
تعاقدات تسرق الموارد الفلسطينية
ظهر خلال مقابلة عدد من المزارعين الفلسطينيين، وجود نمط زراعي تعاقدي قائم بين المنتوج الزراعي وخدمات ما بعد الإنتاج، ومن خلال عقود يحدد من خلالها السعر والكمية والشروط بشكل مسبق بين المزارع والشركة التصنيع أو التسويق، ولعل هذه الطريقة الأفضل لضمان تسويق منتجات المزارعين. ولكن، خلال عام 2012، كشف الباحثَيْن باسل شحادة وطارق دعنا ضمن (سلسة من أوراق تنموية) صادرة عن مركز بيسان، بحثًا يفيد بأن هذا الشكل من التعاقد جرى بين اسرائيليين وفلسطينيين.
وبحسب الباحثان السابق ذكرهما، فإن هذا النوع من التعاقدات الزراعية قائمة على العلاقة ما بين الرأسمال الاستيطاني “الإسرائيلي” والرأسمال الفلسطيني، وتصب لصالح المسار التراكمي للتبعية البنيوية للاقتصاد الكولونيالي “الإسرائيلي”، كظاهرة تبييض بضائع مستوطنات منطقة الأغوار.
وفي ذات السياق، قال المزارع “أ،م” من الأغوار الشمالية، بأن “في منطقة بردلة يتم بيع الخضار وتصديرها إلى اسرائيل عبر متنفذ في مديريات الزراعة وبمعرفة الجهات الرسمية، وذلك خلال الحرب على غزة وحاجة الضفة الغربية لمنتجات المزارعين”.
وأشار مزارع آخر من شمال الضفة الغربية، إلى أنه “يوجد مزارع ضخمة في قرية تقع بمدينة طولكرم ويملكها مزارع فلسطيني ويشرف عليها ويراقب العملية الإنتاجية طرف اسرائيلي، وتصدر هذه المنتجات إلى اسرائيل”.
وبدوره قال منسق اللجان في الحملة الشعبية لمقاومة الجدار والإستيطان سهيل سلمان، بأن “شهدت التعاقدات الزراعية مع الاحتلال ارتفاعًا ملحوظًا خلال حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، وبعد توقف مستوطنات الغلاف عن الانتاج الزراعي، ليلجأ الاحتلال إلى عقود زراعية مع بعض المزارعين الفلسطينيين”.
وأضاف بأن، غالبية الخضار والفواكه التي تُصدر إلى الاحتلال ومنها صنف الخيار يحتاج إلى كمية مياه عالية في ظل شحّ المصادر المائية وسيطرة اسرائيل عليها، بالتالي نحن نصدر المياه إلى جانب الخضار. مشيرًا إلى أن “هذه العملية تكسر حركة المقاطعة العالمية والمحلية وتتجاهل حاجة السوق الفلسطيني التي يجب أن تكون الأولوية”.
وأكد على أن “هذا النمط التعاقدي يعزز الاحتكارات وسيطرة رؤوس الأموال والمشاريع الكبيرة على خط الإنتاج، على حساب أصحاب الحيازات الصغيرة”.
وهمّ السوق الحرّ.. تعزيز الاحتكارات
ومن جانبه، قال الباحث في مجال الزراعة عبد العزيز الصالحي، بأن هذا النمط رأسمالي زراعي ودمر مجتمعات زراعية كاملة في أمريكا اللاتينية وإفريقيا، موضحًا: يطلب التاجر كمية من المحاصيل وعددًا معينًا من المواسم، إلى أن تفقد الأرض الأملاح والمعادن وتصبح غير قادرة على الزراعة دون تحسين شروط الزراعة”.
وأضاف بأن ” في منطقتي كردلة وبردلة، خسر المزارعون في إحدى السنوات محصول الخيار المخصصة للمصانع الإسرائيلية، بعد أن وجد التاجر الإسرائيلي مصدرًا آخر لسد حاجته”.
ويرى الصالحي، أنَّ الزراعة التعاقدية تغذت بفعل سياسات السوق الحرّ واتفاقية باريس الاقتصادية، والتي بدورها أتاحت للمزارعين والتجار التصدير دون قيود ومراقبة، وعززت سيطرة أصحاب الحيازات الكبيرة على مدخلات الإنتاج الزراعي، وبالمقابل كسرت المنافسة الطبيعية في السوق وحطمت نمط الإنتاج الذي يشكل حماية لأصحاب الحيازات الصغيرة.
وشدد في ذات الوقت، على أن “اتفاقية اوسلو قيدّت أي تحرك رسمي لحماية المزارعين في مناطق جيم والأغوار الفلسطينية، ليصبح دور السلطة الوطنية تقديم الخدمات الاستهلاكية”.
آلية تعاقد وطنية
قدمَ اتحاد جمعيات المزارعين مقترحًا لآلية تعاقد وطنية من خلال مجلس الوزراء الفلسطيني ليُطرح على وزارة الزراعة الفلسطينية. وينص على ضمان الحكومة الفلسطينية عبر دائرة المشتريات حصولها على منتجات فلسطينية من أصحاب الحيازات الصغيرة وخلوها من المنتجات الإسرائيلية، بواسطة اتحاد جمعيات المزارعين وبآلية دفع لا تتخطى 3 أسابيع.
وقال المدير التنفيذي للاتحاد عباس ملحم، إن “هذا النوع من التعاقد الوطني يحقق أكبر نهضة على مستوى فلسطين ويحل مشكلة ترويج منتجات صغار المزارعين ويحفز فعل ممارسة الزراعة”.
وأضاف بأن، المقترح قُدّمَ على نطاق تغطية المؤسسة الأمنية، كون الحكومة الفلسطينية تخصص ميزانية ضمن برنامج الشراء العام ويجري ذلك عبر عقود وعطاءات، موضحًا: “إن المؤسسة الأمنية تستهلك خلال شهر واحد فقط 70 ألف دجاجة”.
وأشار إلى أنه ” يوجد 10 قطاعات إنتاجية واستراتيجية كالبطاطا والبصل وزيت الزيتون، وإن تم استثمارها تصبح عجلة الانتاج فلسطينية وتسد حاجة السوق وتحل أزمة البطالة وتُشغل قطاعات أخرى”.
ويرى عباس ملحم أن، العديد من السياسات والتوجيهات لم تُنفذها الحكومة الفلسطينية وعلى رأسها وزارة الزراعة كآلية دعم مربي الثروة الحيوانية وصندوق الطوارئ والزراعة العنقودية، وأكد على أن “يجب إنقاذ القطاع الزراعي، وإن لم يتم التحرك بشكل عاجل لتنفيذ المتفق عليه مسبقًا، سوف نلجأ إلى المظاهرات”.
بدوره قال الناطق باسم وزارة الزراعة مصطفى فطافطة، فيما يتعلق بمقترح الاتحاد، بأن “في حال تقديم أي مقترح يتم نقاشه وآلية التعاقدات التي ذات صلة بالأمور المالية تحتاج إلى ترتيبات، فالحكومة الفلسطينية تتأخر بالدفع لذلك نلجأ إلى العطاءات”.
أما عن استراتيجية عمل الوزارة، أشار إلى أن “نحن في صدد اقرار خطة عام 2025، التي تتضمن 8 مبادرات تحت عنوان (تعزيز الاستدامة الزراعية والأمن الغذائي) موزعة على 5 برامج بميزانية 670 مليون دولار، منها 100 مليون دولار للضفة الغربية، وما تبقى رصد لقطاع غزة”.
وأوضح فيما يتعلق بالانتقادات التي وجهت إلى الوزارة، بعد اتهامها بالتقصير وعدم الاستجابة العاجلة، بأن “نحن نعمل عبر دوائر رسمية تُخطط وتضع الأولويات، ومن ثم التدخلات وطلب التمويل بحسب احتياجات المناطق، وذلك بإشراف ورقابة 16 مكتبًا زراعيًا في المحافظات”.
أما عن التعاقدات الزراعية وتصدير المنتجات الزراعية إلى اسرائيل، أكد فطافطة على أن “يوجد رقابة على تصاريح المنشأة وعلى العملية الإنتاجية بالتعاون مع الضابطة الجمركية، ولم نمنح أي تصاريح، وبالتالي تصبح مسألة التهريب في مناطق جيم حيث لا رقابة لدينا عليها.. ونحن لسنا دولة كاملة الكيان ونحاول دومًا تحسين الأداء”.
وبيّن فطافطة أنه بإمكان أي شخص تقديم الشكوى، وفي حال ورد شبهات حول تهريب منتجات اسرائيلية أو تصديرها، ونحن بدورنا نأخذ الإجراءات القانونية عبر مديريات وزارة الزراعة.
أي مصير ينتظر مزارعي الأغوار؟
يواجه الفلسطينيون في الأغوار الشمالية، خطر التهجير القسري والانتزاع من الأرض التي تعتبر سندًا للمزارع. دون اسناد سياسي رسمي يعزز صمودهم كمواطنين، كما أنهم يفتقدون كمزارعين إلى سياسات زراعية ومنهجية قد تشكل بدورها مظلة حماية من المشاريع الاستيطانية.
فيما تتصف السياسات الزراعية التي تنتهجها الجهات الحكومية بالاستجابة الآنية، كما تفتقد إلى الرؤية الاستراتيجية، وتتسم بالانفرادية والانعزالية دون التكاثف مع جهود الجهات المختصة بالزراعة، وما حفزَّ ذلك، هو نمط الاقتصاد الفلسطيني المشوّه وما أنتجته اتفاقية أوسلو من تبعية اقتصادية لإسرائيل التي قيدّت أي مستقبل لاقتصاد وطني تحرري.
إن انقاذ الأغوار الشمالية لا يمكن أن ينجح دون معالجة حقيقية للإشكاليات التي أفرزها الواقع السياسي الفلسطيني، والذي بدوره انعكس على واقع المزارعين، ويجب أن تظل محاولة البحث مستمرة عن آليات تعيد بناء علاقة الفلسطيني بأرضه، وتكرّس بفِعل الزراعة كممارسة للمقاومة والبقاء.
تحقيق ميس أبو غوش
مقالات الرأي عبر موقعنا الإخباري تمثل كُتابها، ولا تعبر بالضرورة عن أفكار وتوجهات المؤسسة، وهي مساحة حرة لكل الأطراف للتعبير عن أفكارهم وآراءهم في ما لا يتعارض مع المصالح العامة للشعب الفلسطيني. لنشر مقالاتكم عبر موقعنا الرجاء ارسالها عبر الايميل التالي: [email protected]