رجل الظل في معركة فلسطين..”الحاج رمضان”: الجنرال الذي صنع جسور المقاومة من طهران إلى غزة
مع دخول العدوان الإسرائيلي على الجمهورية الإسلامية في إيران يومه التاسع، أعلن وزير جيش الاحتلال، “يسرائيل كاتس”، يوم 21 من حزيران/يونيو 2025، اغتيال الجنرال البارز محمد سعيد إيزدي، المعروف باسم الحاج رمضان، في عملية وصفها بأنها “إنجاز استخباري وعسكري مهم”.
ووفقاً لبيان كاتس، فإن الشهيد إيزدي كان “قائد فيلق فلسطين” التابع لفيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، والمسؤول عن ما وصفه بـ”خطة تدمير إسرائيل عبر تنفيذ غارة برية من عدة محاور في وقت واحد”، في إشارة إلى تنسيق الهجمات التي نفذتها المقاومة الفلسطينية خلال الأشهر الماضية.
الاحتلال زعم أن الشهيد كان العقل المدبر لعمليات الدعم والتمويل والتدريب لحركتي حماس والجهاد الإسلامي في غزة، بالإضافة إلى التنسيق الإقليمي مع حزب الله في لبنان والحكومة السورية، بغرض توحيد جبهات المقاومة ضد الكيان الصهيوني، خاصة في أعقاب معركة “طوفان الأقصى” في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.
لكن خلف هذه الرواية الإسرائيلية، يقف تاريخ طويل لقائد من طراز خاص في محور المقاومة، عُرف بإخلاصه العميق للقضية الفلسطينية ولنهج مواجهة الاحتلال حتى تحرير كامل الأرض.
محمد سعيد إيزدي، المولود عام 1964 في مدينة قم الإيرانية لعائلة متدينة، تخرّج من جامعة خواجة نصير الدين الطوسي بطهران حاملاً شهادة الهندسة الإلكترونية، قبل أن يلتحق مبكراً بالحرس الثوري الإيراني خلال سنوات الحرب العراقية الإيرانية، حيث عمل في جهاز الاستخبارات التابع للحرس، قبل أن ينتقل لاحقًا إلى جبهات خارجية في لبنان والسودان وساحات أخرى.
في التسعينيات، تبلور دوره ضمن حلقات التنسيق العسكري بين إيران وحزب الله، إذ كان من أوائل الضباط الإيرانيين الذين عملوا مباشرة مع المقاومة اللبنانية لتطوير منظومة الصواريخ التي باتت اليوم جزءًا من توازن الردع مع الكيان الصهيوني.
كما لعب دورًا محوريًا في مد شبكات تهريب السلاح إلى غزة عبر شرق إفريقيا وسوريا ولبنان، وهو ما أثار قلقًا متصاعدًا لدى الأجهزة الأمنية الإسرائيلية والأمريكية.
مع بداية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، عُيّن الحاج رمضان رئيسًا لما يُعرف بـ”فرع فلسطين” في فيلق القدس، حيث أشرف بشكل مباشر على دعم فصائل المقاومة الفلسطينية بالمال والسلاح والخبرات التقنية.
وقد قدّر الإعلام العبري أن إيزدي قد حوّل خلال سنوات عمله الأخيرة أكثر من 100 مليون دولار لحماس، إضافة إلى تزويدها بصواريخ مضادة للدروع وطائرات مسيرة انتحارية، فضلاً عن تأهيل كوادرها الهندسية والتكتيكية.
عرفته فصائل المقاومة الفلسطينية عن قرب، إذ كان أول مسؤول إيراني يصل إلى منطقة مرج الزهور في لبنان بعد إبعاد قادة المقاومة الفلسطينية عام 1992، حيث نقل إليهم توجيهات قائد الثورة الإسلامية، الإمام الخامنئي، بتوفير كل دعم ممكن لصمودهم في وجه الاحتلال. وتكررت لقاءاته مع قادة المقاومة طوال العقود الماضية، حيث وصفه الشيخ بسام السعدي في مذكراته بـ”المُكرّس كل حياته لتحرير فلسطين”، مؤكداً أنه كان يزورهم باستمرار في سوريا ولبنان ويتابع أدق تفاصيل التدريب والتسليح.
وكان الشهيد إيزادي على تواصل دائم مع قيادات المقاومة في غزة منهم : الشهيد محمد الضيف والشهيد عبد العزيز الرنتيسي والشهيد صالح العاروري والشهيد يحيى السنوار.
تعرض الحاج رمضان لعدة محاولات اغتيال سابقة أعلنت عنها وسائل إعلام عبرية، عقب استهداف مبنى القنصلية الإيرانية في دمشق، وعملية اغتيال القيادي اللبناني فؤاد شكر في بيروت، واستشهاد السيد حسن نصر الله، غير أن كل تلك الأنباء تبين لاحقاً أنها محض شائعات.
وبينما تحتفي “تل أبيب” باغتيال الحاج رمضان، يرى مراقبون أن هذه العملية ستعزز التزام محور المقاومة بثوابته، وسترفع من معنويات مقاتليه، إذ أن استشهاد قيادي من هذا الوزن الثقيل يرسخ حقيقة أن مشروع المقاومة باقٍ ومتجذر في المنطقة، لن يتوقف برحيل الرجال، بل سيزداد قوة وصلابة.