مقال رأي | كيف تركت التدخين ..!؟
بقلم الدكتور طلال شهوان
كغالبية المدخنين، إن لم يكن جميعهم، لم يرق لي يوماً الاستماع لما كنت أراه مواعظ استعلائية تتحدث عن ضرورة ترك التدخين وعن مضاره وأخطاره، ولطالما استعذت بإشعال السيجارة من أفكار تركها. للوهلة الأولى، كثير من الأصدقاء تفاجئوا عندما أخبرتهم بالاقلاع عن التدخين، وتساءلوا بإلحاح كيف تم ذلك، لعلمهم بشغفي الشديد للسيجارة ولأجوائها. “سأكتب عن الموضوع، أعدكم بذلك“ .. هذا ما قلته مراراً للعديد منهم، وهآنذا أوفي بالوعد، بعد ما يقارب خمس سنوات ونصف السنة، وهي الفترة التي انقضت منذ أقلعت عن التدخين، ولم أدخن خلالها سوى سيجارة واحدة، في أحد الأحلام.
لم يجر الاقلاع بالطرق المعتادة، فبين اتخاذ القرار بالبدء في مشواره وبين آخر سيجارة قمت بتدخينها، انقضى ما يقارب ثلاث سنوات من التخفيف التدريجي لعدد السجائر. الأمر كان أشبه بتصميم وتنفيذ مشروع علاجي متعدد المراحل، فما لا تستطيع تفكيكه دفعة واحدة يمكن تفكيكه على دفعات. إنه ببساطة أسلوب عمل الماء؛ المثابرة على الأداء يمكنها تفتيت أعتى الصخور. في النهاية انقضى الأمر بطرد السيجارة نهائياً من عالمي وايصاد الباب، مع شعور غامر بالرضى.
كيف أتت بواعث الفكرة؟
لا سبيل للتيقن من ذلك، ولكنني أدعي أن عموم المدخنين يفكرون مراراً بترك التدخين، دون نتيجة فعلية. يقول الكاتب الساخر مارك توين “الإقلاع عن التدخين أسهل شيء في العالم. أعرف ذلك لأنني فعلته آلاف المرات“. وهو بهذه المقولة يلخص مصير قرارات لا حصر لها، يهم أصحابها بترك التدخين، وينتهي مفعولها عند اشعال السيجارة التالية.
وكحال الآخرين، لطالما حدثت نفسي عرضياً عن ترك التدخين، ولكن الحديث كان ينقطع سريعاً،بنظرة فابتسامة فلقاء مع السيجارة التالية. في المجمل، يمكن القول أنني كنت أدخن ما يقارب ثلاثين سيجارة يومياً، تبدأ في الصباح، عقب الافطار مباشرة وتنتهي قبل النوم بقليل، مع نظرة وداع، وتعهدضمني باللقاء الثلاثي مجدداً بصحبة فنجان.
رغم ذلك، إلا أن هناك محطات فارقة كانت تستوقفني وتدعوني لأخذ الأمر بجدية أكثر. ومن بينها يمكن أن أسرد ثلاثة أمثلة؛ أحدها له بُعد بيولوجي، والثاني صحي-نفسي، والثالث اجتماعي. أما البيولوجي فيتمثل بحديث عابر مع أحد المعارف الذي استفاق صباحاً وقرر ترك التدخين. عند سؤاله عن كيفية حدوث ذلك أجاب بأسلوب مباشر وبسيط: الأمر أشبه بنداء الاستيقاظ (wake–up call)، فكرت في حقيقة أن الرئة عضو رقيق موجود لغرض ايصال الأكسجين إلى الدم، وبدلاً من مساعدتها وسط كل هذه الملوثات التي يحتويها الهواء من حولنا، أقوم فعلياً بتصعيب مهمتها؛ أنا أنتصر لرئتيّوسط هذه المصاعب !
في الواقع البيولوجي، الرئة عضو رقيق، أشبه بحديقة مكونة من الحويصلات الهوائية المجتهدة، التيتحمل سر الحياة في كل شهيق وزفير. وبقدر ما قد تبدو قوية في قدرتها على القيام بوظائفها، فإنها هشة في ملامستها المباشرة للهواء، إذ تتأثر بما يحمله من دخان أو غبار أو جراثيم. هي مرآة حساسة للبيئة من حولنا؛ صفاؤها من صفاء ما نتنفسه، وعلّتها من فساد ما ندخله إليها.
موقف آخر، ترك بصمة لدي، جاء نتيجة لحديث عابر مع أحد الأصدقاء المختصين بالصحة العامة. كنت بلغت الأربعين من العمر، ودار الحديث عن أهمية مراجعة العادات الحياتية وتطوير وعي صحي ونفسي مختلف بعد هذا السن، حيث تبدأ ملامح الجسد والنفس في التبدل بهدوء، فالجسم لا يعود يتسامح مع السهر الطويل أو التغذية غير المتوازنة كما كان يفعل في العشرينات، ومعدل الأيض يبدأ بالانخفاض، وتظهر حاجة متزايدة إلى عناية أكبر بالقلب، بالعظام، وبالطاقة النفسية. التدخين يقف عقبة أمام جميع ما سلف.
أما المثال الأخير، فيتمثل بمشقة لا تخلو من تكلفة اجتماعية، تجسدها صعوبة الوصول إلى غرف التدخين في المطارات أثناء السفر. فكرة عزل المدخنين في المطارات تبدو للوهلة الأولى حلاً وسطاً بين حق المدخن في ممارسة عادته، وحق غير المدخن في هواء نظيف. ولكن الأمر في جوهره أشبه بحجر صحي، وتذكير اجتماعي وبصري لكل عابر في المطار، وبخاصة للمدخنين، بأن التدخين لم يعد مجرد “اختيار شخصي”، بل ممارسة تستدعي الحصر والعزل، ورفع بطاقة حمراء مهذبة في وجهها. محاصرة المدخنين داخل جدران زجاجية أو عوازل تهوية، واضطرارهم للتواجد في حيز ضيق تحت سحابات الدخان، لها تأثير اجتماعي ونفسي لا يملك الكثير من المدخنين الاستهانة به.
الخطة التدريجية: العدد في مقابل الأثر، والبرمجة العكسية !
ولعي بالتدخين لا يستقيم معه تركه دفعة واحدة، يجب تفكيك العلاقة بشكل تدريجي .. هذا استنتاج وصلت إليه بعد جولات تفكير عديدة. أفكار من قبيل شرب القهوة دون تدخين، أو الاستغراق في الكتابة والقراءة بمعزل عن السجائر المتتالية، أو سهرة مع الأصدقاء دون ضخ سحب الدخان في الهواء، لا أبالغ إن قلت أنها كانت مثيرة للفزع.
استناداً لذلك، فقد وضعت خطة، أشبه ما تكون بالعلاجية، مكونة من بندين: الأول يتعلق بفهم الجانب العلمي-الصحي لتأثير التدخين (العلاقة بين عدد السجائر وتأثيرها الصحي) وبالتالي بلورة خطة متدرجة لتقليل عدد السجائر اليومي، والثاني يتعلق بضرورة تفكيك الارتباط النفسي والاجتماعي مع التدخين من خلال إجراءات فعلية متعددة، تضع موضوع التدخين في المكان المناسب على خريطة الوعي والسلوك.
بالنسبة للبند الأول، وبعد قراءة عدد من المقالات والنشرات العلمية، أمكن الوصول إلى نتيجة مفادها أن السيجارة هي فخ تم اعداده بطريقة احترافية. فهي تحتوي المئات من المواد الكيميائية الطبيعيةوالمضافة مما يجعلها أشبه بكوكتيل سام، يبرز من بين مكوناته النيكوتين والقطران والمعادن الثقيلة، مضاف إليها السكريات والمنكهات والزيوت العطرية، وغيرها الكثير. كل هذا يجعل من التدخين ممارسة تفتقر لما يسمى “العتبة الآمنة”؛ أي أن التدخين مهما كان قليلاً فإنه يتسبب بالضرر للجسم، وبأشكال متعددة.
نتيجة أخرى مهمة، يمكن الوصول إليها من المصادر ذات العلاقة، تتلخص في أن الزيادة في الضرر لا تتناسب مع عدد السجائر بشكل خطي؛ فعند المستويات المنخفضة من التدخين (عدة سجائر يومياً) يزداد الخطر بسرعة أكبر نسبياً، وعند المستويات العليا (علبة أو أكثر من سيجارة يومياً) يستمر الخطر في الزيادة ولكن بوتيرة أبطأ نسبياً، ذلك لأن الضرر الأساسي يكون قد تراكم بالفعل، وتكون المستقبلات البيولوجية قد تم اشغالها من طرف جزيئات النيكوتين وغيره. هذا يعني من زاوية ترك التدخين، إمكانية تقليل عدد السجائر بسهولة أكبر عند من يدخن علبة أو أكثر مقارنة بمن يدخن القليل من السجائر. استناداً لذلك فقد قمت بتخفيض عدد السجائر اليومي من 30 إلى 15 دفعة واحدة، كأول قرار اتخذته ضمن سلسلة قرارات لتخفيض عدد السجائر اليومي، على أمل الاقلاع نهائياً بعد فترة معينة. وقد تمكنت من التغلب على تأثيرات إنسحاب النيكوتين الناجمة عن هذا القرار خلال أسابيع قليلة.
بعد عدة شهور وضمن مراحل متتابعة تمتد كل منها عدة أشهر، خفضت العدد مجدداً إلى 12، ومنه إلى 8، ومنه إلى 5، وبعدها حافظت على هذا العدد مع استبدال السجائر العادية بسجائر رفيعة تحتوي نيكوتين وقطران أقل. كانت تلك المرحلة الأخيرة، انتقلت منها إلى الانقطاع التام، إثر تدخين آخر سيجارة، بعد الانتهاء من تناول الافطار الصباحي في أحد الأيام. قلت لمن حولي بثقة: هذه ستكون السيجارة الأخيرة، وهكذا كانت، على الأقل حتى كتابة هذه السطور.
أما بالنسبة للبند الثاني من الخطة، فقد اقتضى ايجاد حاجز عقلي ونفسي واجتماعي مع السيجارة. قرأت العديد من المقالات عن الحيل الدعائية التي تستخدمها شركات التدخين للايقاع بالأشخاص في سن مبكرة (خاصة المراهقين)، فحسب بيانات منظمة الصحة العالمية تسعة من بين كل عشرة مدخنين يبدأون التدخين قبل بلوغهم سن الثامنة عشرة، ويفقد ثمانية ملايين شخص حياتهم سنوياً بسبب منتجات التبغ. وفي مقابل تلك الآثار بالغة الضرر صحياً وبيئياً تحقق صناعة التبغأرباحاً هائلة تقدر بالمليارات سنوياً.
في ذات الاطار، فقد جرى الاقتصاد في المناسبات والأجواء التي تنطوي على استدعاء للتدخين، والتخفيف من شرب القهوة والشاي، خصوصاً خلال ساعات الليل. وفي نفس الاتجاه، تم تدريجياً تطوير عادة إطفاء السيجارة قبل الانتهاء منها، وأحياناً بعد إشعالها مباشرة، كنوع من العصيان ضد الاستلاب. كل ذلك شكل منظومة للبرمجة العكسية، لصالح ايجاد حواجز متعددة مع عادة التدخين، ويمكنني القول أن تلك التكتيكات والاجراءات نجحت في مساعدتي على ترك التدخين بشكل مؤثر.
ما بعد ترك التدخين .. صفر من الاشتياق !
أحد العوائق الهامة التي حالت دون الكتابة حول الموضوع في وقت سابق تمثلت بالرغبة في التأكد من متانة القطيعة مع هذه العادة. بعد أكثر من خمس سنوات انقضت دون تدخين أي سيجارة، والأهم، دون أي حنين لذلك، فإنه يمكن القول أن الأمر وصل مرحلة اللاعودة.
هل كان الاقلاع سهلاً؟ قطعاً لا. الحديث يدور عن سلعة “رائعة، ومتوفرة، وتسبب الإدمان” كما يرد في الفيلم الشهير “شكرا لك على التدخين“. فعند سحب نواتج الاحتراق، يصل النيكوتين إلى مستقبلات داخل الدماغ خلال عشر ثوانٍ تقريباً مما يؤدي إلى إفراز مادة الدوبامين التي تحسن المزاج وتمنح الشعور بالاسترخاء. وعند ترك التدخين يمكن أن تستمر آثار الانسحاب من هذه التأثيرات المحببة للمدخن شهوراً عديدة، حيث يشعر الشخص بفقدان النيكوتين ويتأثر الروتين اليومي المرتبط بالسيجارة، وتظهر من وقت لآخر رغبة قوية في التدخين، يصاحبها شعور مؤقت بالتوتر والقلق. كذلك، يمكن أن يفتقد المدخن الجانب الاجتماعي المرتبط بالجلسات مع أصدقائه من المدخنين، أو يحن إلى ما اعتاد على الاعتقاد بأنه راحة نفسية يوفرها التدخين للتعامل مع الضغوط ومقتضيات الدراسة أو العمل. بالرغم من كل ذلك، يبدأ الجسم فوراً في التعافي من تأثير التدخين وإدمانه، ويشعر بعد فترة قصيرة بتحسن في التنفس وفي الدورة الدموية، ومع مرور الوقت يقل الاعتماد النفسي على التدخين بشكل ملموس.
في تصوير احتفالي للعلاقة بين السيجارة والقهوة، يقول محمود درويش: “أشعل سيجارتك الآن، السيجارة الأولى المصنوعة من أجل هذا الفنجان. ها أنذا أولد. امتلأت عروقي بمخدرها المنبه“. هذه النشوة لا تأتي من فراغ، فحسب المصادر العلمية العلاقة بين الكافيين والنيكوتين مركّبة؛ كلاهما منبّه للجهاز العصبي، حيث يرفع النيكوتين من إفراز الدوبامين سريعًا ليعطي شعوراً بالمتعة واليقظة، بينما يثبط الكافيين عمل مادة الأدينوزين المسؤولة عن الإحساس بالتعب والتي تعمل على إبطاء نشاط الجهاز العصبي المركزي، ليزيد بالتالي الشعور باليقظة، ويمنح طاقة ذهنية أطول أمداً. لهذا فإن اللقاء بين السيجارة وفنجان القهوة يعزّز بشكل تكاملي التأثير على الإدمان والارتباط السلوكي. لكن هذا التآزر الظاهري يحمل وجهًا آخر، فهو يضاعف الضغط على القلب والجهاز العصبي، ويجعل الانفصال عن أحدهما ليس يسيراً، بسبب ارتباطه بالآخر. بالرغم مما سلف، فإن الانفكاك بين السيجارة والقهوة ليس بالصعوبة المتخيلة، وحتى يزداد الشعر أبياتاً يمكن القول، استناداً للخبرة الذاتية، أن الاستمتاع بطعم القهوة يتعمق بشكل أكبر بعد ترك التدخين. القهوة والشاي ستدهشك أيها المدخن السابق في قدرتها على مواصلة المشوار معك بمعزل عن السيجارة والتبغ.
ختاماً، بعد سنوات من الاقلاع عن التدخين، يتولد لدى الفرد شعور امتلاك زمام أمره بشكل أفضل، مع قناعة راسخة بصوابية القرار. لطالما كان الإنسان في صراع مع عاداته، فالحرية الحقيقية لا تكمن فقط في اختيار عادة ما، وإنما أيضاً في توفر الإرادة القادرة على التخلص منها عند الحاجة. ليس المقصود بهذا المقال تقديم نصائح جاهزة، بقدر السعي لمشاركة تجربة فردية يمكن للقارىء أن يستلهم منها ما يناسبه، في إطار السعي ذاتي-الإرادة للتحرر من براثن عادة عميقة التأثير، لها أبعادها الصحية والنفسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، طويلة الأمد.
مقالات الرأي عبر موقعنا الإخباري تمثل كُتابها، ولا تعبر بالضرورة عن أفكار وتوجهات المؤسسة، وهي مساحة حرة لكل الأطراف للتعبير عن أفكارهم وآراءهم في ما لا يتعارض مع المصالح العامة للشعب الفلسطيني. لنشر مقالاتكم عبر موقعنا الرجاء ارسالها عبر الايميل التالي: [email protected]