تقرير صحفي: نزوحٌ ممتد .. معاناة نازحي مخيمات شمال الضفة الغربية إلى أين؟

الصحفية دينا جرادات

أعددتُ هذا التقرير قبل أيام حول النزوح من مخيمات شمال الضفة الغربية، وتناولتُ خلاله قصة إحدى العائلات النازحة. واليوم، طرأ تطور مؤلم على هذه القصة، إذ استشهدت ابنتهم رجاء عويس صباح اليوم، ولم تتمكن العائلة من دفنها في مقبرة المخيم بسبب عدم وجود تنسيق، ما اضطرهم لدفنها في مقبرة قرية كفرقود التي نزح إليها زوجها وأطفالها الخمسة.

 

الشهيدة رجاء عويس التي ارتقت متأثرة باصاباتها خلال عدوان الاحتلال على مخيم جنين
الشهيدة رجاء عويس التي ارتقت متأثرة باصاباتها خلال عدوان الاحتلال على مخيم جنين

لم تكن إصابة “رجاء” في كانون الأول/ ديسمبر 2023 سوى بداية لفصلٍ طويل من الوجع لعائلة المواطن فضل عويس من مخيم جنين، فبعد أكثر من عام من الصمود بجانب سرير ابنتهم في المستشفى، جاء العدوان الواسع على مخيمات شمال الضفة الغربية في كانون الثاني/ يناير2025، ليعيد صياغة مأساة العائلة بشكل أوسع، محولًا إياهم إلى “نازحين” فقدوا منزلهم ومستقرهم.

منذ أن فجر جيش الاحتلال باب منزلها في عام 2023 في مخيم جنين تحولت حياة “رجاء” الأم لخمسة أطفال وزوجة الرجل المقعد إلى سلسلة من الجراح وخاصةً أنها مازالت تمكث في غيبوبة منذ ذلك الحين. فمنذ تلك اللحظة القاسية، اتخذ والداها من أروقة مستشفى “ابن سينا” في مدينة جنين مستقرًا اضطراريًا لهما، حيث لم يغادرا المكان ولو للحظة؛ في تبادلٍ للأدوار يجسد تلاحم العجز بالأمل.

يصف الوالد فضل “أبو علاء” هذا التحول المرير في حياة عائلته قائلًا: “نلازم ابنتنا في المستشفى منذ عامين كاملين وكنا نظن أن حالتها هو أصعب ما مر علينا في هذه الحياة، لكن الأقسى من ذلك واجهناه بعد ذلك مع اندلاع العدوان الواسع على مخيمات شمال الضفة الغربية قبل أكثر من عام وفقداننا لمنازلنا”.

وبعد فقدان المنزل أصبح المستشفى هو المأوى الاضطراري للوالدين اللذين يتنقلانِ بينه وبين منزلٍ لمعارفٍ لهما في بلدة الزبابدة جنوب شرق جنين، لقضاء بعض احتياجاتهم ثم يعودانِ إلى المستشفى حيث ابنتهم.

بينما كان الأب يلازم ابنته المصابة في المستشفى، كانت جرافات الاحتلال تنهش ذكرياته في “حارة السمران” بمخيم جنين، حيث سُوّي منزله المكون من ستة طوابق بالأرض. تلقى “أبو علاء” خبر هدم منزله عبر وسائل الإعلام، ليدرك أن المنزل الذي بنيّ منذ ستة عقود وكان في بدايته منزلًا متواضعًا من الطين ثم تطور بجهد وكفاح العائلة على مدار سنوات طويلة ليحتضن أجمل ذكريات الأسرية، قد أصبح أثرًا بعد عين، لتفقد الأسرة معه الستر والأمان الذي طالما اعتزت به.

المواطن فضل عويس وابنته المصابة رجاء في مستشفى ابن سينا - جنين | تصوير دينا جرادات
المواطن فضل عويس وابنته المصابة رجاء في مستشفى ابن سينا – جنين | تصوير دينا جرادات

 

مأساة عائلة عويس تتجاوز في قسوتها هدم الحجر لتصل إلى تشتيت البشر؛ فبعد أن كان هذا البيت يجمع العائلة الممتدة المكونة من أسرة فضل وأسر أشقائه فرض عدوان 2025 شتاتًا جديدًا يعيد إلى الأذهان مرارة نكبة عام 1984، حين تجرع أهالي المخيم العائلة مرارة اللجوء مرتين بفارق زمني يقارب الثمانية عقود، فمنذ بداية العدوان في أوائل 2025 تفرقت عائلات المخيم في اتجاهات شتى، فكل أسرة لجأت إلى قرية أو بلدة وفقًا لما أتاحت لهم الإمكانيات، ليتضاءل التواصل بين العائلات التي كانت تقيم في بيوت متجاورة ويتقلص إلى حدود مكالمة يتيمة في أحسن الأحوال.

هذا التمزق الجغرافي الذي فرض على أهالي المخيم زاد عبئًا نفسيًا ثقيلًا عليهم، وفقًا لما وصفه “أبو علاء”، حيث كانت الأسر تعيش كجسد واحد يتستر فيه الجار على جاره، قبل أن تنهش جنازير الآليات العسكرية هذا النسيج الاجتماعي الفريد.

نازحون يواجهون المجهول

اليوم، تواجه عائلة “أبو علاء”، كغيرها من العائلات من مخيم جنين، ظروفًا في غاية الصعوبة وسط انعدام مقومات الحياة الأساسية في رحلة نزوحهم المفروضة والتي برزت أعباءً مادية إضافية عليهم نتيجة اضطرارهم لاستئجار منازل.

وتتشابه الحال التي يعيشها أهالي مخيم جنين اليوم مع حال أهالي مخيمي نور شمس وطولكرم حيث يواجه هذان المخيمان نفس المصير من تدمير قوات الاحتلال لها وتهجير سكانها منذ أكثر من عام. يذكر أن قوات الاحتلال الإسرائيلي قد شنت بتاريخ 21 كانون الثاني/ يناير 2025 عدوانًا عسكريًا على مخيمات شمال الضفة الغربية تحت مسمى “الجدار الحديدي”، وكانت بدايته في مخيم جنين ثم توسع بعد ذلك ليشمل مخيمي نور شمس وطولكرم وهو ما نجم عنه نزوح أهالي المخيمات الثلاثة بشكلٍ قسري وتدمير مسكانهم وبناهم التحتية وحرمانهم من العودة حتى الآن.

وفي مدينة طولكرم التقينا بالنازحة من مخيم نور شمس ندى قزلي، وأخذت تحدثنا بصوتٍ يملؤه الشجن واصفةً المخيمات بأنها ذاكرة الفلسطيني التي لا تقبل النسيان.
وأكدت ندى، وهي شقيقة شهيد ارتقى على أرض مخيم نور شمس برصاص قوات الاحتلال قبل تهجير سكان المخيم بأشهر، بأن “أهالي المخيمات يعانون منذ عقود من استهداف سلطات الاحتلال لهم ولقضيتهم بأساليب متعددة، وكان التهجير الأخير أصعبها”، وتضيف:” النزوح القسري هو أقسى تجربة قد يمر بها المرء حيث يُجبرعلى مغادرة بيته وانتزاعه من وجوده وتسلب منه القدرة في الدفاع عن حقه، لكن كل صباح يمر ونحن بعيدون عن المخيم هو اختبار لصمودنا وعزيمتنا تتجدد بانتزاع حق العودة”.

صورة تظهر حجم الدمار في مخيم نور شمس بطولكرم - تصوير دينا جرادات
صورة تظهر حجم الدمار في مخيم نور شمس بطولكرم – تصوير دينا جرادات

 

وتصف البيوت التي تؤويهم في مكان نزوحهم بأنها بيوت باردة لا تشبههم ولا تمنحهم السكينة، فالحياة بعيدًا عن المخيم تفتقر إلى المعنى والأمان، وفقًا لندى.
وحول الواقع المعيشي، سلطت ندى الضوء على الأزمة الخانقة التي يعيشها النازحون؛ حيث انعدمت فرص العمل وتزايدت الاحتياجات اليومية بشكل يفوق القدرة على الاحتمال. تقول ندى: “بين الإيجارات المرتفعة، وفواتير الخدمات، وتكاليف العلاج والمدارس، بات الحمل ثقيلاً جدًا، مما أدى ببعض العائلات إلى ترك أماكن سكنها الجديدة لعدم قدرتهم على سداد الإيجار”.

أبعاد كارثية جراء العدوان الإسرائيلي على المخيمات

بينما تتساءل ندى بمرارة “إلى متى؟” يستعرض مدير عام المشاريع في دائرة شؤون اللاجئين لمنظمة التحرير الفلسطينية محمد السيد، أبعاد الأزمة الراهنة، موضحًا أن مخيمات شمال الضفة الغربية، ولا سيما جنين وطولكرم ونور شمس، تواجه واقعًا إنسانيًا كارثيًا جراء العملية العسكرية المتواصلة التي تسببت في نزوح قسري لنحو 40 ألف لاجئ فلسطيني من هذه المخيمات، وهو مستوى من التهجير لم تشهده المنطقة منذ عام 1967.

وأوضح السيد أن هذا العدوان استهدف بشكل ممنهج البنية التحتية والمادية للمخيمات، مما أدى إلى تدمير أو تضرر مئات المنشآت السكنية والتجارية، بهدف تغيير المشهد الجغرافي والديمغرافي داخل هذه المخيمات وفرض واقع جديد من المعاناة على السكان.

صورة تظهر الطرق التي تم شقها أو توسعتها بعد تدمير المباني في مخيم طولكرم - المصدر دائرة شؤون اللاجئين
صورة تظهر الطرق التي تم شقها أو توسعتها بعد تدمير المباني في مخيم طولكرم – المصدر دائرة شؤون اللاجئين

وإلى جانب المنشآت السكنية والتجارية تضررت القطاعات الحيوية بشكلٍ بليغ ومنها شبكات الخدمات الأساسية، حيث طال الدمار أكثر من 36 كيلومترًا من شبكات المياه وحوالي 12 كيلومترًا من شبكات الصرف الصحي، بالإضافة إلى أعطال واسعة في شبكات الكهرباء والاتصالات نتيجة التجريف المتعمد للطرق، وفقًا للسيد.

كما نوه إلى التعطل الكبير في المسيرة التعليمية؛ حيث بقيت 10 مدارس تابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينين “الأونروا” مغلقة مما حرم آلاف الطلاب من حقهم في التعليم المنتظم، كما ترافق ذلك مع تدهور حاد في الخدمات الصحية نتيجة إغلاق المرافق الطبية التابعة للأونروا داخل المخيمات.

ويصنف مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) أن ما تشهده مخيمات شمال الضفة الغربية منذ مطلع عام 2025 بأنه أطول وأوسع أزمة تهجير عرفتها المنطقة منذ عام 1967، كما اعتبرت العدوان الذي شنته قوات الاحتلال الإسرائيلي كانون الثاني/ يناير 2025 بمثابة نكبة متجددة طالت تفاصيل الحياة اليومية لقرابة 32 ألف لاجئ فلسطيني وجدوا أنفسهم نازحين قسرًا من مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس.

وعلى صعيد الدمار المادي، تكشف بيانات “OCHA” عن حجم الكارثة التي حلت بمخيمات شمال الضفة الغربية، حيث طال التدمير نحو 1,460 مبنى سكنيًا ومنشأة طالها التدمير إما بشكلٍ كلي أو جزئي في المخيمات الثلاثة، منها 676 مبنى في مخيم جنين، وهو ما يشكّل نحو 52% من إجمالي المباني في المخيم، و382 مبنى في مخيم نور شمس بما يقارب 48% من إجمالي المباني فيه، و402 مبنى في مخيم طولكرم بما يقارب 36% من إجمالي المباني فيه.

استهداف ممنهج لقضية اللاجئين

هذا التدمير الممنهج من قبل الاحتلال الإسرائيلي للمخيمات كشواهد مكانية على قضية اللاجئين، يتزامن مع استهداف سياسي وقانوني غير مسبوق لـ”الأونروا” باعتبارها تمثل الاعتراف الدولي بقضية اللاجئين فضلًا عن دورها الإغاثي لهم.

صورة تظهر المباني المدمرة في مخيم جنين - المصدر: دائرة شؤون اللاجئين
صورة تظهر المباني المدمرة في مخيم جنين – المصدر: دائرة شؤون اللاجئين

وفي هذا الإطار، يؤكد المختص في شؤون اللاجئين، سعيد سلامة، أن حكومة الاحتلال تهدف بشكل استراتيجي إلى إنهاء خصوصية المخيم ونزع صفته السياسية، من خلال محاولة دمج هذه التجمعات كأحياء تابعة للبلديات المجاورة.

ويشير إلى أن التخوفات من هذا الاجراء قد يمثل مرحلة أولى ينتهجها الاحتلال ضمن مخطط أوسع يستهدف كافة مخيمات الضفة الغربية، مستفيدًا من أجواء الإبادة الجماعية وأعمال التدمير الشامل في قطاع غزة، الذي يمثل اللاجئون فيه حوالي 70% من السكان، مما يعكس رغبة في تعميم نموذج الهدم والتهجير.

ويوضح سلامة أن هذه الإجراءات تتخذ خطوات متعددة؛ فمن الناحية الاقتصادية، يسعى الاحتلال إلى تجفيف الموارد المالية وتدمير البنية التحتية للمخيمات لتهجير سكانها وبالتوازي مع ذلك، تبرز الضغوط السياسية من خلال تشريعات حظر أنشطة وكالة غوث وتشغيل اللاجئين “الأونروا”. أما عسكريًا، فتتم ممارسة الترحيل القسري وهدم المساكن ومنع العودة إليها، وسط خشية حقيقية من استمرار الأزمة المالية للوكالة الدولية، مما قد يجعلها عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها الإنسانية والمالية تجاه اللاجئين.

ويختتم سلامة بالتأكيد على أن الموقف الفلسطيني يواجه هذه التحديات بمسارين؛ الأول رسمي يتمسك بالشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة، وعلى رأسها القرار 194 وقرار إنشاء الأونروا رقم 302 بتاريخ 8 ديسمبر/ كانون الأول 1949، والموقف الشعبي الذي يرفض كافة مشاريع التوطين والتمسك بحق عودة اللاجئين إلى الديار التي هُجّروا منها، مؤكدين أن المخيم سيبقى رمزًا للصمود حتى تحقيق العودة والحرية.

وبينما يحصي العالم ركام الأبنية ويتعامل مع مأساة مخيمات شمال الضفة الغربية بالأرقام، تبقى صرخة النازحة “ندى” وتشبث المواطن “أبوعلاء” ببقايا ذكرياته في منزله ومخيمه بمثابة تمرد على مخططات اغتيال قضية اللاجئين.

الصحفية دينا جرادات
الصحفية دينا جرادات

#أخبار_البلد

زر الذهاب إلى الأعلى