على ورق أيهم.. الحكاية التي لم تسعها الغرفة

تقرير الصحفية طيبة عروق

على قصاصة ورق مهترئة داخل غرفة ضيقة لا تزيد مساحتها عن ١٦ متراً مربعاً في سكنات النازحين بالقرب من الجامعة العربية الامريكية جنوب شرق جنين، يحاول الطفل أيهم سعايدة (10 سنوات) أن يستحضر بقلم رصاصه ملامح مخيم جنين الذي غادره قسراً في 21 كانون الثاني/يناير 2025.

وبينما يرسم قوس النصر والشوارع التي عرف تفاصيلها وعاش فيها طفولته، يختصر حكايته قائلا” مش عارف اتعود… مش قادر اتخيل انه خلص المخيم راح ومش رح اقدر ارجع اعيش فيه زي قبل! اشتقت لحياتي اللي قبل “.

ويختصر أيهم أثر هذا الفراق على تفاصيل يومه قائلاً “كنت أعرف كل مكان بالمخيم، كل شارع ومحل، وكل مكان كنت ألعب فيه.. كنت أرجع من المدرسة وأقعد مع أصحابي… هس كل هذا مش موجود بحياتي!”.

غادرت عائلة ايهم المخيم بحثاً عن مكان يستطيعون الإقامة فيه، فتنقلوا بين أماكن مختلفة (مرة في بيت للايجار، ومرة في بيت الكفيف ، ومن ثم في سكنات الجامعة العربية الامريكية).

على ورق أيهم.. الحكاية التي لم تسعها الغرفة

حتى اليوم، لا يملك أيهم وعائلته مكاناً ثابتاً يمكن أن يسموه بيتاً جديداً. يعيشون في تلك الغرفة الضيقة، وتتوزع فيها أغراض العائلة حسب ما يسمح به المكان!بينما يبحث هو عن مساحة ضيقة لأوراقه وأقلامه لعله يستعيد من خلالها ملامح حياته السابقة.

يحاول أيهم أن يتعامل مع المكان الجديد ، لكنه لا يشبه الغرفة التي كان يعيش فيها قبل النزوح. فهناك، كان يمتلك مساحة واضحة لألعابه وحريته، أما هنا فكل شيء محكوم بضيق المكان. ومع مرور الوقت، بدأ يتعرف إلى وجوه وأماكن جديدة، لكنه ما زال يتحدث كثيراً عن المكان الذي تركه، محاولاً الاحتفاظ بالتفاصيل التي يخشى أن ينساها.

يندرج واقع أيهم ضمن مشهد إحصائي أوسع وثقه تقرير صادر عن مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان في أيلول 2026، حيث أشار إلى أنه في الفترة الممتدة بين كانون الأول 2024 وكانون الثاني2026، أدت العمليات العسكرية الاسرائيلية في شمال الضفة الغربية إلى تهجير سكان مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس بأكملهم، والذين قُدّر عددهم بنحو 33 ألف نسمة، مع تدمير ما لا يقل عن 850 منزلاً والبنية التحتية، مما جعل هذه المخيمات غير صالحة للسكن ومَنَع قاطنيها من العودة.

وذات الوجع ينسحب إلى أماكن أخرى في شمال الضفة الغربية، حيث يعيش أطفال في أعمار مختلفة تجربة مشابهة؛ وإن اختلفت تفاصيلها من مكان إلى آخر، فالطفلة إيليا (7 سنوات) نزحت أيضاً من منزلها من مخيم جنين بنفس الفترة، وتعيش عائلتها اليوم بالقرب من قرية عرابة الواقعة إلى الجنوب الغربي من مدينة جنين، لكن المكان الذي تقيم فيه العائلة لم يمنحها القدرة على الحركة بحرية، وأصبحت ساحة المنزل مكاناً تخشى الخروج إليه، نتيجة قربهم من مستوطنة عيمك دوتانالتي أُنشئت هذا العام ولا تبعد عن منازل المواطنين أكثر من 100 متر! مما جعل اللعب خارج البيت أمراً تخشاه العائلة، تقول إيليا معبرة عن خوفها المستمر”ما بنقدرنطلع نلعب برا، بنخاف من المستوطنين”.

وهو واقع يتسع في جغرافية النزوح ليتقاطع مع بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) الصادرة في شباط 2026، والتي وثقت تهجير 1,656 شخصاً في منطقة غور الأردن خلال الفترة بين كانون الثاني 2023 ومنتصف شباط2026، مسجلة ذروة ملحوظة في كانون الثاني 2026 بتهجير 600 فلسطيني من تجمع “رأس عين العوجا البدوي” بفعل تصاعد عنف المستوطنات وقيود الوصول، لتتحول مساحات طفولة مئات الصغار إلى رحيل متواصل.

على ورق أيهم.. الحكاية التي لم تسعها الغرفة

وعلى وقع هذا الرحيل، ينتهي يوم آخر في تلك الغرفة الضيقة، فمع مع غروب الشمس، يقبض أيهم بيديه على كرة القدم التي يحملها معه، ثم يخطو بخطوات بطيئة إلى داخل الغرفة ، تاركاً حلمه معلقاً في الخارج دون كلمات

 

#أخبار_البلد

زر الذهاب إلى الأعلى