“ذا هيل”: خسائر الحرب مع إيران وتهديدات المسيّرات تكشف ثغرات القوة العسكرية الأمريكية

سلط تحليل نشرته صحيفة “ذا هيل” الأمريكية الضوء على تحديات عسكرية واستراتيجية متزايدة تواجه الولايات المتحدة، في ظل الحرب مع إيران، وتنامي مخاطر الهجمات بالطائرات المسيّرة، وارتفاع كلفة العمليات العسكرية، إلى جانب التوترات بشأن مستقبل الالتزام الأمريكي بالدفاع عن الحلفاء الأوروبيين وقيادة حلف شمال الأطلسي “الناتو”.

وربط التحليل بين نقل 12 قاذفة استراتيجية أمريكية من طراز “بي-1” من قاعدة فيرفورد البريطانية، والخسائر التي طالت عشرات الطائرات العسكرية الأمريكية خلال الحرب مع إيران، والهجمات التي تستهدف منشآت حيوية في المنطقة، معتبرا أن هذه التطورات تكشف جوانب ضعف في منظومة القوة العسكرية الأمريكية، رغم تفوقها التكنولوجي وقدراتها العملياتية.

وتأتي هذه التطورات في وقت تتزايد فيه أهمية الطائرات المسيّرة ووسائل الهجوم منخفضة التكلفة، التي باتت قادرة على تهديد معدات عسكرية باهظة الثمن ومنشآت استراتيجية، ما يفرض تحديات إضافية على أنظمة الحماية التقليدية، ويطرح تساؤلات بشأن كلفة الحفاظ على الانتشار العسكري الأمريكي الواسع وقدرة واشنطن على مواصلة دورها العالمي.

نقل القاذفات من بريطانيا خشية هجوم إيراني

وتوقف التحليل عند قرار نقل 12 قاذفة أمريكية من طراز “بي-1” من قاعدة فيرفورد الجوية في بريطانيا إلى قواعدها داخل الولايات المتحدة، وسط مخاوف من احتمال تعرضها لهجوم إيراني بطائرات مسيّرة.

وجاءت الخطوة بعد تقارير عن تهديدات محتملة استهدفت القاعدة، التي استخدمتها الولايات المتحدة في عملياتها العسكرية ضد إيران. وأفادت تقارير إعلامية بأن مخاوف من هجوم محتمل بطائرات مسيّرة أسهمت في اتخاذ قرار سحب القاذفات، فيما نفت طهران أي صلة لها بالمخطط المشتبه به.

واستحضر التحليل العملية الأوكرانية المعروفة باسم “شبكة العنكبوت”، التي استخدمت خلالها كييف طائرات مسيّرة أُدخلت إلى داخل روسيا لاستهداف طائرات عسكرية في قواعد جوية، باعتبارها مثالا على قدرة وسائل الهجوم منخفضة التكلفة على إلحاق أضرار بمعدات استراتيجية، حتى عندما تكون داخل منشآت عسكرية.

وتثير هذه التجربة مخاوف من إمكانية استخدام تكتيكات مشابهة ضد قواعد القوات الأمريكية، خصوصا مع انتشار منشآتها العسكرية في مواقع متعددة خارج الولايات المتحدة.

ولا تقتصر هذه المنشآت على قاعدة فيرفورد، إذ تستضيف قاعدة لاكنهيث البريطانية مقاتلات أمريكية من طراز “إف-15″، فيما تتمركز مدمرات تابعة للبحرية الأمريكية في قاعدة روتا البحرية بإسبانيا، ضمن شبكة الانتشار العسكري الأمريكي في أوروبا.

ويتيح هذا الانتشار لواشنطن تنفيذ عمليات عسكرية واسعة، لكنه يوسع في المقابل نطاق المنشآت والأصول العسكرية التي قد تصبح عرضة للهجمات، خصوصا مع تطور وسائل الهجوم التي يمكن إطلاقها من مسافات قريبة أو إخفاؤها داخل وسائل نقل مدنية.

ويرى التحليل أن التهديدات الجديدة تفرض تحديات على إجراءات حماية القواعد العسكرية، في ظل صعوبة رصد بعض الطائرات المسيّرة مسبقا، وإمكانية استخدام وسائل بسيطة نسبيا لاستهداف معدات تتطلب صناعتها وتشغيلها استثمارات ضخمة.

كما يحذر من أن المخاطر التي تفرضها هذه الوسائل لا تقتصر على القوات الأمريكية المنتشرة خارج البلاد، وإن كانت طبيعة التهديدات واحتمالات وقوعها تختلف باختلاف المواقع والظروف الأمنية.

81 طائرة عسكرية أمريكية تضررت أو فُقدت خلال الحرب

ويتمثل المؤشر الثاني في حجم الخسائر التي تكبدتها القوات الأمريكية خلال عملية “الغضب الملحمي” ضد إيران، وما تفرضه من أعباء مالية وعسكرية على واشنطن.

وبحسب تقرير محدث لدائرة أبحاث الكونغرس الأمريكي صدر في تشرين الأول/أكتوبر الجاري، بلغ عدد الطائرات العسكرية الأمريكية التي فُقدت أو تضررت خلال العمليات ضد إيران 81 طائرة، بينها 12 مقاتلة من طراز “إف-15 إي”، ومقاتلة واحدة من طراز “إف-35 إيه”، وسبع طائرات للتزود بالوقود جوا من طراز “كيه سي-135″، وطائرة إنذار مبكر من طراز “إي-3 سنتري”، إلى جانب عشرات الطائرات المسيّرة.

وتشير التقديرات إلى أن كلفة استبدال المعدات التي طالتها الخسائر قد تصل إلى 3.3 مليار دولار، فيما تتراوح التقديرات بين 1.9 مليار و3.3 مليار دولار بحسب خطط التعويض عن المعدات المتضررة أو المفقودة. ولا تعني هذه الأرقام بالضرورة أن جميع الطائرات المذكورة دُمرت نهائيا، إذ يشمل التقرير طائرات تضررت وبعضها قد يعود إلى الخدمة.

وتتجاوز تداعيات هذه الخسائر قيمتها المالية المباشرة، نظرا إلى الأدوار التي تؤديها الطائرات المتضررة في العمليات العسكرية. فطائرات التزود بالوقود جوا تتيح للمقاتلات والقاذفات البقاء في الجو لفترات أطول وتنفيذ مهام على مسافات بعيدة، فيما تؤدي طائرات الإنذار المبكر دورا محوريا في مراقبة المجال الجوي وتنسيق العمليات.

كما أن تعويض هذه المعدات يتطلب موارد مالية وقدرات صناعية، وقد يفرض ضغوطا إضافية على أساطيل عسكرية تُستخدم في أكثر من مسرح عمليات.

وإلى جانب كلفة المعدات، قدرت تقارير أمريكية كلفة الحرب مع إيران بنحو 38 مليار دولار، تشمل نفقات العمليات والذخائر والمعدات وغيرها من التكاليف المرتبطة بالمواجهة، ما يعكس حجم الأعباء المالية التي ترافق استمرار العمليات العسكرية.

وتسلط هذه الأرقام الضوء على التحديات التي تواجه الجيوش المتقدمة في الحروب التي تتعدد فيها وسائل الهجوم، إذ يمكن لأسلحة أقل كلفة أن تلحق أضرارا بمعدات تحتاج إلى وقت طويل وموارد كبيرة لتعويضها.

هجمات إقليمية توسع دائرة المخاطر

وتناول التحليل، في مؤشّره الثالث، الهجمات التي شنها الحوثيون على دول في المنطقة، وما تكشفه من مخاطر على المنشآت الحيوية، إلى جانب الهجمات التي تستهدف منشآت الطاقة في الخليج.

وتأتي هذه التطورات في سياق إقليمي تتزايد فيه التهديدات التي تواجه البنية التحتية العسكرية والمدنية، مع اتساع استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة ووسائل الهجوم بعيدة المدى، بما يضع المنشآت الحيوية أمام تحديات أمنية متصاعدة حتى في ظل وجود أنظمة دفاعية.

وأشار التحليل إلى تقارير تحدثت عن دراسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إمكانية الدخول في مواجهة عسكرية ضد الحوثيين، بالتزامن مع استمرار التوترات الإقليمية والهجمات على منشآت الطاقة في الخليج.

وربطت “ذا هيل” بين هذه التطورات والهجوم الأوكراني بالطائرات المسيّرة داخل روسيا، باعتبارها أمثلة على التحولات التي تشهدها طبيعة الحرب الحديثة، وقدرة وسائل الهجوم على الوصول إلى أهداف استراتيجية وإحداث أضرار تتجاوز بكثير تكلفة تنفيذ الهجمات نفسها.

وتبرز هذه الوقائع، وفق هذا الطرح، معضلة تواجه الجيوش الكبرى، تتمثل في ضرورة حماية عدد متزايد من القواعد والمنشآت والأصول العسكرية، في مقابل استخدام الخصوم وسائل هجوم متنوعة ومنخفضة التكلفة نسبيا.

مستقبل القيادة الأمريكية للناتو أمام اختبار

ولا تقتصر التحديات التي تناولها التحليل على الحرب مع إيران، إذ سلط الضوء أيضا على مستقبل العلاقات الأمنية بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين، في ظل توجه إدارة ترامب إلى مطالبة الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي بتحمل مسؤولية أكبر عن دفاعها.

ورغم أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة دعت الدول الأوروبية إلى زيادة إنفاقها الدفاعي، فإن النقاش الحالي يتصل أيضا باحتمالات تقليص الوجود العسكري الأمريكي في القارة، وما قد يترتب على ذلك من تداعيات على توازنات الحلف وقدرته على الردع.

وأشار التحليل إلى اجتماع مرتقب لوكيل وزارة الدفاع الأمريكية لشؤون السياسات، إلبريدج كولبي، في بولندا الشهر المقبل، لمناقشة مستقبل الناتو، وسط تقارير عن عدم دعوة بريطانيا وفرنسا ودول البلطيق إلى الاجتماع.

وفي الوقت نفسه، تجري وزارة الدفاع الأمريكية مراجعة لانتشار قواتها في أوروبا، بالتزامن مع مقترح لخفض عدد المناصب المخصصة للجنرالات والأدميرالات بنسبة 20%.

ومن بين التغييرات المحتملة التي تناولها التحليل خفض رتبة قائد القيادة الأوروبية الأمريكية من أربع نجوم إلى ثلاث، إلى جانب احتمالات تتعلق بمستقبل منصب القائد الأعلى لقوات الحلفاء في أوروبا، الذي يتولاه تقليديا مسؤول أمريكي منذ تأسيس الحلف.

ويثير احتمال إسناد هذا المنصب إلى مسؤول غير أمريكي تساؤلات بشأن مستقبل القيادة العسكرية داخل الناتو، بالنظر إلى الصلة القائمة بين قيادة الحلف والمنظومة العسكرية الأمريكية، بما فيها قدرات الردع النووي.

وترى “ذا هيل” أن أي تغيير في هذا الترتيب قد يؤثر في طبيعة التنسيق الدفاعي بين واشنطن وحلفائها، ويشكل تراجعا في الدور القيادي الأمريكي داخل الحلف، خصوصا في ظل غياب دولة أوروبية تمتلك القدرات العسكرية والسياسية ذاتها التي تتمتع بها الولايات المتحدة.

كما يحذر التحليل من أن أي انقسام داخل الناتو قد يوفر للرئيس الروسي فلاديمير بوتين فرصة لاستغلال التباينات بين الدول الأعضاء وإضعاف تماسك الحلف، في وقت تواجه فيه أوكرانيا ضغوطا عسكرية روسية متواصلة.

وتثير هذه الاحتمالات تساؤلات بشأن أولويات السياسة الخارجية الأمريكية، في ظل تركيز متزايد على الصين بوصفها المنافس الاستراتيجي الرئيسي لواشنطن، مقابل المخاوف من تراجع الاهتمام بالتهديد الروسي الذي تواجهه الدول الأوروبية.

ويخلص تحليل “ذا هيل” إلى أن تزامن الخسائر العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط مع المخاوف بشأن حماية القواعد والمنشآت الاستراتيجية، والنقاش حول تقليص الالتزامات العسكرية في أوروبا، يضع شبكة التحالفات الأمريكية أمام تحديات مترابطة.

وبحسب التحليل، فإن استمرار تراجع الالتزام الأمريكي تجاه الحلفاء الأوروبيين، بالتوازي مع تصاعد التهديدات العسكرية وارتفاع كلفة الحرب، قد يؤثر في أحد أبرز مرتكزات الأمن القومي الأمريكي، والمتمثل في شبكة التحالفات التي بنتها واشنطن على مدى عقود.

#أخبار_البلد

زر الذهاب إلى الأعلى