مجازر الطحين في غزة.. لماذا يقتل الاحتلال المدنيين في طوابير المساعدات؟
في مشهد يُعدّ من الأقسى في تاريخ الحروب الحديثة، تواصل قوات الاحتلال استهداف المواطنين في قطاع غزة خلال انتظارهم للحصول على مساعدات غذائية، في سابقة دامية تختزل حجم المأساة الإنسانية المتفاقمة تحت الحصار والعدوان المستمر منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وبحسب الإعلام الحكومي في غزة، فإن أكثر من 516 مدنياً استشهدوا أثناء تواجدهم في طوابير توزيع المساعدات، إلى جانب 3700 جريح، منذ بدء ما يُعرف بآلية “المساعدات الأميركية الإسرائيلية” في أواخر مايو/أيار 2025، والتي فُرضت كبديل عن الإنزال الجوي، ضمن نقاط توزيع تُوصف بأنها “ممرات إنسانية” لكنها واقعيًا خاضعة لنطاق ناري مباشر من قبل قوات الاحتلال.
وتُظهر شهادات الناجين وتقارير المنظمات الحقوقية أن هذه المراكز تحوّلت إلى ساحات قتل جماعي، إذ يُطلق النار على المدنيين العزل دون إنذار أو مبرر، ما يعكس سياسة متعمدة، وليست مجرد “أخطاء ميدانية” كما تدّعي إسرائيل.
وتُرجّح منظمات دولية ومراقبون أن هذه السياسة تنبع من دوافع متشابكة، تتصدرها: أن استهداف المدنيين خلال انتظارهم للمساعدات الغذائية في غزة ينطلق من جملة دوافع مترابطة، أبرزها استخدام التجويع كسلاح حرب، إذ تعتمد إسرائيل سياسة ممنهجة تهدف إلى إخضاع المجتمع الفلسطيني ودفعه نحو الانهيار من الداخل. كما يسعى الاحتلال من خلال هذا الاستهداف إلى ترهيب السكان وتفكيك التضامن الأهلي، مستهدفًا لحظات ضعفهم القصوى لتقويض التماسك المجتمعي.
في المقابل، يشكّل ضرب مراكز توزيع المساعدات رسالة سياسية لإفشال أي جهود دولية مستقلة لإغاثة غزة، وجعل الحياة اليومية للفلسطينيين رهينة لإرادة الاحتلال. إلى جانب ذلك، تكرّس “إسرائيل” رواية أمنية تزعم أن هذه المناطق تُستخدم للاشتباك، ما يبرر في نظرها استباحة إطلاق النار، رغم خلوّها التام من المقاتلين، وهو ما تنفيه تقارير حقوقية وشهادات ميدانية موثقة.
التقارير الميدانية، ومنها ما نشرته منظمة “هيومن رايتس ووتش”، تؤكد أن الاستهداف يتم رغم وضوح الطابع المدني للحشود، وبعض الإصابات التي سُجلت كانت بطلقات دقيقة في الرأس والصدر، تشير إلى عمليات قنص مقصودة.
وفي السياق ذاته، تُظهر تصريحات القادة الدينيين والسياسيين في إسرائيل، أن هذه العمليات لا تنفصل عن بنية أيديولوجية تُجرّد الفلسطيني من إنسانيته. إذ تُصوّر الطوابير البشرية على أنها “خطر ديمغرافي” لا بشر يستحقون الحياة.
هذه المجازر المتكررة لا تعكس فقط انهيار المعايير الأخلاقية، بل تكشف عن استراتيجية مبيتة لهدم المجتمع الفلسطيني من الداخل، وإعادة تشكيل الواقع السياسي والديمغرافي لغزة تحت غطاء الحصار.
وفي ظل هذا التواطؤ الدولي والصمت العاجز، يُطرح السؤال الأخطر: هل بات الحصول على كيس طحين في غزة تهمة تكفي للحكم بالإعدام؟