تحقيق صحفي: رواتب بالآلاف لموظفين بلا عمل، بلدية جنين

يكشف التحقيق وجود أكثر من ٣٠ موظف لا يؤدون مهامهم ويتقاضون رواتباً

إعداد الصحفية ديالا نزال:

أظهرت بيانات بلدية جنين زيادة غير مبررة في أعداد الموظفين، مع تعداد سكان مدينة جنين الذي يبلغ حوالي 56,297 نسمة، نجد أن البلدية تضم 209 موظفين مثبتين، و135 موظفًا بنظام العقود، بالإضافة إلى 365 متقاعدًا، و115 عاملًا في النفايات يتبعون مجلسًا خاصًا لكن تُصرف رواتبهم من ميزانية البلدية، هذا يعني وجود موظف واحد من الموظفين المثبتين وموظفي العقود وعمال النفايات لكل 122 مواطن تقريبًا.

رواتب بالآلاف لموظفين بلا عمل فعلي.. تجاوز للقانون وتكريس للمحسوبية

بات التوظيف في بلدية جنين وسيلة تُستغل بعيدًا عن الأطر القانونية المنظمة مما أدى إلى وجود زيادة غير قانونية في أعداد الموظفين، وتعود هذه الزيادة إلى اعتبارات سياسية واجتماعية حيث كشف رئيس البلدية السابق نضال عبيدي عن وجود 35 موظفًا يتقاضون رواتب إجمالية تبلغ 280 ألف شيكل شهريًا دون ممارسة عمل فعلي،  وبعد الاطلاع على الأسماء اتضح أن معظمهم مرتبط بفصيل سياسي معين وتم استغلال التوظيف لتعزيز مصالح فصائلية وسياسية بدلاً من تطبيق معايير مهنية واضحة.

من جانبه، أشار أحد كبار موظفي نقابة العمال والذي فضّل عدم الكشف عن هويته في المقابلة الشخصية، إلى أن التوظيف في بلدية جنين يعاني من غياب المعايير الثابتة، حيث يتم أحيانًا وفق ضوابط مهنية وأحيانًا بشكل عشوائي، كما أشار إلى أن كل رئيس بلدية ساهم بدوره في زيادة عدد الموظفين من خلال تعيينات عشوائية، وأوضح أن الزيادة في عدد الموظفين بما لا يقل عن 100 موظف في البلدية مع وجود 40 موظفًا يتقاضون رواتب دون أداء أي عمل فعل، و غالبيتهم مرتبطين بفصيل سياسي معين.

ويُلاحظ وجود اختلاف في الأرقام بين 35 و40 موظفًا يتقاضون رواتب دون أداء أي عمل فعلي، ويعود ذلك إلى اختلاف مصادر المعلومات، حيث استند الرقم الأول إلى تصريح رئيس البلدية السابق، بينما جاء الرقم الثاني وفقًا لمصدر نقابي، ما يفسر هذا التفاوت في التقديرات.

هذه السياسات لم تكن وليدة اللحظة، بل تعود إلى إرث وظيفي متراكم. فمع تأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية عام 1994، شهدت مؤسساتها وأجهزتها، بما في ذلك بلدية جنين، حملة واسعة لتوظيف الفلسطينيين كأداة للتعامل مع مشكلات البطالة وتخفيف الفقر، إلى جانب تلبية مصالح فصائلية ومعالجة قضايا اجتماعية وسياسية متنوعة دون مراعاة للاعتبارات المهنية والإدارية، وقد أفاد مدير مديرية الحكم المحلي في جنين عبد المجيد مدنية، أن الزيادة في أعداد الموظفين في بلدية جنين تمثل إرثًا متراكمًا وقديمًا وله أبعاد سياسية.

استغلت البلدية سياسة التوظيف عبر العقود المؤقتة كأداة للتوسع في التعيينات بعيدًا عن الضوابط الإدارية والمهنية والتي من المفترض أن تكون أداة مرنة لسد احتياجات موسمية أو تغطية وظائف ضرورية لفترة زمنية محدودة، لكن هذه العقود خرجت عن هدفها الأساسي وتحولت إلى باب لتوظيف العشرات، خارج أي إطار تنظيمي واضح، مما جعلها عبئًا مستدامًا يُثقل كاهل البلدية ويفاقم الأزمة المالية التي تعاني منها.

لم تعد العقود المؤقتة وسيلة لسد النقص الوظيفي المؤقت، بل أصبحت غطاءً قانونيًا لتوظيف أشخاص بقرارات فردية، دون إعلانات رسمية أو مسابقات، ما سمح بتجاوز نظام موظفي الهيئات المحلية وفتح المجال أمام تعيينات قائمة على المحسوبية والانتماءات السياسية، وبدلًا من إنهاء هذه العقود بانتهاء مدتها كما ينص القانون، استمرت لسنوات طويلة، ما جعلها أشبه بتعيينات دائمة، وهو أيضًا ما يفسر وجود 135 موظفًا بنظام العقود، الأمر الذي يجب معالجته، عن طريق إجراء مراجعة وتدقيق كافة التعيينات التي جرت خلال السنوات الماضية في البلدية، وإلغاء التعيينات التي يثبت عدم قانونيتها.

يُظهر الواقع ضعف بلدية جنين الالتزام بتطبيق نظام موظفي الهيئات المحلية حيث تخضع البلدية لنظام موظفي الهيئات المحلية رقم (1) لسنة 2009م وتعديلاته، وهو أن يتم الإعلان عن الوظائف الشاغرة في وسائل الإعلام المحلية وعلى لوحة إعلانات الهيئة المحلية، و تُشكل لجنة مختصة لاستقبال طلبات التوظيف وفحصها، والتأكد من مطابقتها للشروط المحددة  من ثم تُجرى اختبارات تحريرية أو عملية، تليها مقابلات شخصية لتقييم كفاءة المتقدمين، يتم اختيار المرشح الأنسب بناءً على نتائج التقييم، ويُصدر قرار التعيين من الجهة المختصة في الهيئة المحلية، وبحسب القانون، يمكن للهيئة المحلية التعاقد مع موظفين بعقود مؤقتة حسب الحاجة، على أن تُحدد مدة العقد وشروطه بوضوح، ويتم ذلك وفقًا للإجراءات المعتمدة، لكن في الحقيقة تم تجاوز هذا النظام بشكل واضح لصالح مكاسب شخصية واعتبارات سياسية واجتماعية مختلفة بما يمثل شبهات واسطة ومحسوبية ومحاباة في تلك التعيينات.

أين الرقابة؟

يعد غياب الرقابة السبب الأساسي وراء ظهور العوامل التي أدت إلى الزيادة غير القانونية في إعداد الموظفين وتفاقم الأزمة في بلدية جنين، حيث  تُدار البلدية في ظل غياب آليات رقابية صارمة، ما أتاح المجال للتوظيف العشوائي دون محاسبة أو تدقيق، ووفقًا لمدير مديرية الحكم المحلي، فإن دورهم  يقتصر على الجانب “الإشرافي” فقط، أي أن هذا الإشراف يظل شكليًا ومحدود التأثير مما يقلل من قدرتهم على التدخل الفعلي في اتخاذ قرارات التوظيف أو مراجعة كفاءة الموارد البشرية داخل البلدية لضمان التزام البلدية بالمعايير الإدارية والمالية. وفي إطار محاولة الصحفية للحصول على بيانات دقيقة عن الوضع المالي والتوظيفي للبلدية من ديوان الرقابة المالية والإدارية، تم الاعتذار عن إجراء مقابلة مع ممثلي الديوان، حيث أُبلغت الصحفية أن البيانات المتوفرة قديمة وقد أُوضح أن آخر تدقيق مالي للبلدية تم منذ ثلاث سنوات، وأنه جاري العمل على تحديث البيانات منذ فترة قصيرة.

يذكر إنه بالعودة إلى التقارير المنشورة على موقع ديوان الرقابة المالية والإدارية خلال العامين 2021 و2022، تبين وجود شكاوى ضد البلدية تتعلق بالتوظيف، حيث “تم تعيين بعض الموظفين بشكل مباشر دون الالتزام بالإجراءات المنصوص عليها في نظام موظفي الهيئات المحلية، ودون إدراجهم ضمن جدول تشكيلات الموظفين الصادر بموجب موازنة البلدية، كما شملت المخالفات تعيين موظفين بعقود دون إعلان مسبق أو مسابقة، ومن دون الرجوع إلى لجنة شؤون الموظفين، فضلًا عن عدم وجود طلبات تقديم أو ملفات بأسماء المتقدمين.”

وفي تقرير عام 2021 ، “وردت شكاوى تتعلق بضريبة المعارف، حيث تم توظيف موظفين بعقود رغم انتهاء مدتها، إضافة إلى حالات تضارب مصالح واستغلال المنصب العام لتحقيق منافع شخصية، من بينها تعيين اثنين من الجباة ممن تربطهم صلات قرابة من الدرجة الأولى بمسؤولين في البلدية، كما لم تُدرج الوظائف الشاغرة التي تم التعيين عليها في لجنة المعارف ضمن الموازنة المصادق عليها لعام 2020، خلافًا لقانون الخدمة المدنية، ولم تُعلن عنها صحيفتان يوميتان كما ينص القانون ولائحته التنفيذية.”

يطرح الواقع تساؤلًا جوهريًا حول سبل التصويب والمعالجة، فاستمرار غياب الحلول الفاعلة وغياب الرقابة والمساءلة يجعل من هذه الأزمة عبئًا مركبًا يتفاقم مع مرور السنوات، فهل هناك إرادة حقيقية لإصلاح هذا الخلل، أم أننا أمام أزمة مرشحة للاستمرار دون حلول جذرية؟

تحقيق صحفي: رواتب بالآلاف لموظفين بلا عمل، بلدية جنين

كيف تنعكس الزيادة في أعداد الموظفين على الموازنة؟

نتيجة لهذه السياسات والتوظيف غير القانوني، تُعاني بلدية جنين من عجز مالي كبير يصل إلى 60% حيث تُنفق البلدية نحو 2.25 مليون شيكل شهريًا على رواتب الموظفين، وهو ما يشكل جزءًا كبيرًا من الإيرادات الشهرية البالغة 3 ملايين شيكل (في الوضع الطبيعي)، هذا يعني أن الجزء الأكبر من الميزانية  يستهلك في تغطية الرواتب، وهذا العجز يحد من قدرة البلدية على تخصيص موارد للمشاريع التطويرية وتنفيذ مشاريع تنموية أو تحسين الخدمات العامة، حيث تذهب معظم الإيرادات إلى الموازنة التشغيلية،  وتضطر البلدية على الاعتماد بشكل كبير على المساعدات الخارجية لتغطية الموازنة التطويرية، مما يعكس هشاشة النظام المالي وغياب استراتيجيات مالية فعّالة.

في مارس 2024، وصل الوضع إلى ذروته عندما لجأ العاملون في البلدية إلى الإضراب وتعليق الدوام بعد شهور من عدم تلقيهم رواتبهم، وهذه الخطوة الاحتجاجية برزت العجز الكامل في إدارة الموارد وكشفت عن مدى تعقيد الوضع المالي للبلدية، حيث أصبح من الصعب تغطية نفقات الرواتب في ظل تزايد الأعباء المالية على البلدية ومع قلة الموارد المالية المتاحة، أصبح من الضروري البحث عن حلول تمويلية مستدامة لضمان استمرارية عمل البلدية وتحقيق التوازن بين توفير الرواتب والقيام بمشاريع تنموية تخدم السكان.

يُشكل التوظيف غير القانوني في بلدية جنين استنزافًا خطيرًا لمواردها المالية، حيث تُنفق مئات آلاف الشواكل شهريًا على رواتب موظفين زائدين عن الحاجة، في وقتٍ تعاني فيه المدينة من نقص حاد في الخدمات الأساسية وفي ظل تجريف الاحتلال للبنية التحتية في منطقة جنين وتدميرها شبه كامل. هذه الأموال التي تُهدر دون جدوى، كان يمكن استثمارها في تطوير البنية التحتية، كتعبيد الطرق، وتحسين آليات جمع النفايات، وتعزيز شبكات المياه والكهرباء، فضلًا عن إنشاء مرافق عامة حديثة، والارتقاء بالخدمات الصحية والتعليمية.

إن تفاقم هذه الأزمة يُجسد بوضوح انعكاسات سوء الإدارة وغياب الرقابة، حيث تحولت البلدية إلى عبءٍ بدلاً من أن تكون رافدًا للتنمية وتحسين جودة الحياة للمواطنين، واستمرار هذا النهج العشوائي في التوظيف لا يعني فقط هدر الموارد، بل يُكرّس نمطًا من الفساد الإداري الذي يُضعف ثقة السكان في مؤسساتهم المحلية.

تصحيح المسار: توصيات لمعالجة الأزمة

لا يمكن الخروج من هذه الأزمة إلا بإصلاح جذري يرتكز على إدارة حازمة، ورقابة مالية وإدارية صارمة، وتطبيق معايير مهنية شفافة تضمن استغلال الموارد بكفاءة. إن تفعيل المحاسبة ووضع حد لهذا النزيف المالي هو الخطوة الأولى نحو استعادة ثقة المواطنين، وضمان أن تكون البلدية أداةً فاعلة في خدمة المجتمع، وليس ساحة للمحسوبية والمصالح الضيقة، حيث يتوجب إعادة مراجعة وتدقيق كافة التعيينات التي جرت خلال السنوات الماضية في بلدية جنين وإلغاء التعيينات التي يثبت عدم قانونيتها، تبدأ بتشكيل لجنة تحقيق مستقلة لمراجعة كشوفات الموظفين وكشف أي تجاوزات، ونشر نتائج التدقيق بشفافية أمام المواطنين لتعزيز الثقة في البلدية، إضافة إلى العمل على إنهاء عقود الموظفين الذين لا يؤدون أعمالًا فعلية، وإعادة تقييم العقود المؤقتة وتحديد مدى الحاجة إليها. كذلك تفعيل دور ديوان الرقابة المالية والإدارية بمتابعة التوظيف بشكل دوري، وفرض التزام صارم بالإعلان عن الوظائف وإجراء المسابقات وفقًا للقانون، إضافة إلى منع أي تعيينات جديدة دون الحاجة الفعلية.

تم انجاز هذا التحقيق بالشراكة مع الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة أمان

 

#أخبار_البلد

زر الذهاب إلى الأعلى