حين ينهش المرض جسدًا محاصرًا: حكاية مريض سكري يواجه الموت البطيء في غزة

تقرير: أسماء تيسير دويمه

الجسد ساحة قتال أخرى

في غزة، حيث كلّ المستحيلات ممكنة، يمكن لمرضٍ مزمن أن يتحوّل إلى حكمٍ بالموت حين تندلع الحرب. فعندما ينقطع الدواء وتغيب الرعاية وتزدحم الأماكن، يصبح الجسد ساحة قتالٍ أخرى لا تلتقطها الكاميرات.

البيت المزدحم والحمام الوحيد

في أحد البيوت الضيقة التي تحولت إلى مأوى لعشرات العائلات النازحة جنوب القطاع، كان سعيد حماد دويمه، الخمسينيّ المصاب بالسكري وأمراض القلب، يخوض معركته الأخيرة بصمت.

تقول زوجته عفاف دويمه بصوتٍ يختنق بالحزن:

«كان البيت فيه أكثر من أربعين نازحًا، وحمام واحد فقط. سعيد كان يحتاجه كثيرًا بسبب السكر، لكنه كان دائمًا مشغولًا. كان يضطر لحبس البول، فتراكمت السوائل في قدميه، تورمت رجلاه وتقرحتا، ثم تشكّلت فيهما ثقوب صغيرة، في سبيلٍ لجسده لإخراج تلك السوائل، فلم يعد يستطيع المشي».

يضيف الدكتور هيثم طومان، طبيب عام في قسم الباطنة بمستشفى شهداء الأقصى، توضيحًا طبيًا لهذه الظروف:

«بالنسبة لمرضى السكري، حبس البول المتكرر نتيجة انعدام الخصوصية أو قلة المرافق الصحية قد يسبب التهابات بولية متكررة قد تتطور إلى التهاب كلى أو تسمم دموي. كما أن انقطاع أدوية السكري يؤدي إلى ارتفاع مستويات السكر في الدم بسرعة، مما يزيد من خطر الغيبوبة أو العدوى ويُفاقم الحالة الصحية بشكل كبير، خصوصًا في بيئة مزدحمة وظروف الحرب الصعبة».

العجز عن الوصول إلى العلاج

تفاقمت حالته مع الأيام، لا بفعل المرض وحده، بل بسبب العجز عن الوصول إلى العلاج. كان من المفترض أن يغادر سعيد إلى الأردن في منتصف أكتوبر 2023 لمراجعة طبيب القلب الذي يتابعه كل ستة أشهر، لكن الحرب أغلقت المعابر وقطعت طريقه المعبّد بالأمل نحو الشفاء.

«انقطع عنه علاج القلب والسكري تمامًا»، تضيف عفاف. «لم نجد إلا الباراسيتامول. كلُّ علبةٍ من علاجه كانت تُباع – إن وُجدت – بمئةِ دولار، وهذا مبلغٌ مضاعفٌ وكبير. كنّا نقطعُ مسافاتٍ كبيرةٍ من أجلِ الحصولِ على حبةٍ واحدة».

تقول ابنته الوسطى هبة (28 عامًا):

«كنا بالكاد نحصل على أدويةِ القلبِ الخاصةِ بأبي قبلَ الحرب، فما بالكَ إذا كنت تعيش في بلدٍ انقطعت فيه الأدوية بنسبةِ سبعين بالمئة؟»

صورة تجمع سعيد بزوجته عفاف وابنتهم هبة.
صورة تجمع سعيد بزوجته عفاف وابنتهم هبة.

تأثير الصدمات النفسية

لم يكن النقص في الدواء وحده ما أنهك جسد سعيد، فـ«العامل النفسي كان له أثر كبير على انحدار حالته»، تروي هبة.

«غياب الراحة، الخوف، واستشهاد زوج أختي الكبرى وعائلته، كلّها صدمات متتابعة زادت من سوء وضعه».

تصف هبة كيف تغيّر والدها في الشهورِ الأخيرةِ من رجلٍ يحبُّ الحياة ويسعى في مناكبِ الأرض من أجل رزقه، إلى جسدٍ صامتٍ محاصرٍ بين جدران المستشفيات:

«تحوّل من رجلٍ نشيطٍ ومحبٍ للحياة إلى شخصٍ يعيشُ بين أزقةِ المستشفى، بالكاد يتحدث. كان يردد دائمًا: المكان سيئ والبيت أسوأ، مشيرًا بذلك إلى بغضه للنزوح وعدمِ ارتياحه للمكوثِ في المستشفيات».

رحلة العلاج خارج القطاع

نُقل سعيد لاحقًا في نوفمبر 2024 إلى مستشفى أبو يوسف النجار في رفح، حيث مكث أكثر من شهرين يعاني من انتفاخات والتهابات شديدة في القدمين والصدر بسبب احتباسِ السوائل. تقول عفاف بنظرة أملٍ مُطفأة:

«كنا ننتظرُ تحويلةً للعلاجِ خارجِ القطاع، وبعد موافقة السفارة نُقل إلى مصر. بقي في المستشفى هناك عشرة أيام، منها ثلاثة في العناية المركزة. الأطباء قالوا حالته غير مستقرة، لكنّه أُخرِجَ لاحقًا».

في القاهرة، تدهورت حالته سريعًا. أصبح ينام ساعاتٍ طويلة تتعدى الاثنين والعشرين ساعةً في اليوم، يمكثُ طويلاً في فراشه هربًا من المرض والألم، ولا يتناول الطعام البتّة. تروي هبة تفاصيل اليوم الأخير:

«في أبريل 2024، غادر والدي غزة بصمت. أتذكر صباح سفره جيدًا، خرج من الخيمة متعبًا، لم يقل شيئًا. كنت متيقنة كل اليقين في قلبي أننا سنلتقي بعد العلاج…»

صمتت هبة قليلاً، أشارت إلى قلبها وضربت بخفةٍ دلالةً على الوجع، واجتاحتها موجةٌ كثيفةٌ من الدموعِ والذكرى، قبل أن تهمسَ بحسرةٍ:

«لم أكن أعلم أنها اللحظة الأخيرة. يا ليتني كنت أعلم أنه يومه الأخير».

وتضيف وهي تمسح دموعها: «لم نحظَ بفرصة الوداعِ أو ترك قبلةٍ على الجبين. غادر بعيدًا عنا، ومات في مصر في مايو 2024. وصلنا الخبر متأخرًا بسبب انقطاع الإنترنت. كانت الليلة الوحيدة التي نمنا فيها باكرًا، متيقنين أن رسالة أمي الصباحية الاعتيادية “أبوكم بخير” ستصل، لكنّ رسالةً مختلفةً وصلت ذاك الصباح: “أبوكم اتوفى”.»

الموت في الغربة

تنفست هبة الصعداء، مسحت دموعها بيدين مرتجفتين، ثم قالت بإيمانٍ راسخٍ:

«كان أبي يقول دائمًا: ادفنوني في غزة، حبيبته الأبدية، لكن شاء الله أن يكون مثواه الأخير في الغربة. الحمد لله، شهيد مرضٍ وغربة».

تضيف بمرارة:

«لم يكن المرضى المزمنون يحظون بالاهتمام الكافي في المستشفيات الحكومية. أمام جرحى القصف، كانت أمراضهم تُعتبر أقل طارئة، رغم أنها قاتلة بصمت».

وبينما كانت العائلة تعيش مُرّ الفقد، كانت عفاف تردّد:

«خرج من بيننا كطيفٍ من التعب، ولم نكن نعلم أن الموت ينتظره بعد أيام قليلة».

الأزمة الصحية في غزة

يعاني أكثر من 350 ألف مريض مزمن من نقصٍ حاد في الأدوية، من بينها أدوية القلب والسكري والضغط، بحسب وزارة الصحة في غزة. وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن النظام الصحي في القطاع «على حافة الانهيار الكامل»، مع خروج معظم المستشفيات عن الخدمة ونفاد أكثر من 70٪ من الأدوية الأساسية.

يُعلّق الدكتور هيثم طومان، قائلًا:

«انقطاع الدواء عن المرضى المزمنين، خصوصًا أدوية القلب والسكري، يعني ببساطة الدخول في سباقٍ مع الموت. خلال الأسابيع الأولى للحرب، لاحظنا ارتفاعًا كبيرًا في حالات الجلطات القلبية وغيبوبات السكري نتيجة توقّف العلاج أو سوء التغذية. كما أن الضغط النفسي الشديد وفقدان الأمان يرفعان معدلات السكر وضغط الدم، ويُفاقمان الحالة بشكلٍ خطير».

ويضيف:

«معظم الأدوية الخاصة بهذه الفئة غير متوفرة حاليًا إلا بنسبة محدودة جدًا، والمرضى الذين لا يتمكنون من مغادرة القطاع يواجهون مصيرًا قاسيًا وصامتًا. هؤلاء يُعدّون من ضحايا الحرب غير المرئيين».

نموذجًا لمأساةٍ تتكرر

قصة سعيد دويمه ليست استثناءً، بل نموذجًا لمأساةٍ تتكرر في كل بيتٍ نازح، بين جدران أشبه بزنزانة يُلتهَم فيها الأمل، وتنهش داخلها أنياب الحرب الشرسة محاولاتِ النجاة.

في بيوت وخيام النزوح، يتحوّل المرض المزمن إلى حكمٍ بالإعدام حين يغيب الدواء والرعاية والأمل، في حربٍ سرقت حتى الحق في العلاج، يصبح الموت أحيانًا أكثرَ رحمةً من الانتظار.

المرضى المزمنون هم الضحايا الصامتون في الحرب؛ لا يصرخون، لا يخرجون في نشرات الأخبار، لكنهم يموتون ببطءٍ كلّ يوم

#أخبار_البلد

زر الذهاب إلى الأعلى