الصحفي “الساعي” يروي أسوأ “كوابيس” الاعتقال في “مجدو”
“كانوا يضحكون ويصورون، يستمتعون وهم ينفذون هذه الجريمة، أما أنا فلم أستطع الوقوف على قدميّ”. بهذه الكلمات بدأ الصحفي الفلسطيني سامي الساعي رواية ما عاشه خلال اعتقاله الإداري في سجن “مجدّو” بين شباط/ فبراير 2024م، وحزيران/ يونيو 2025م.
الشهادة التي شملت حديثًا مفصلًا عن ضربٍ، وإهانةٍ، وتعذيب جنسي، وتهديد مستمر له باستهداف زملائه الصحفيين، جاءت خلال جلسة استماع نظمها المركز الفلسطيني للتنمية والحريات الإعلامية “مدى”، ضمن مشروع ” Engage”، بالشراكة مع جامعة النجاح الوطنية، وبتمويل الاتحاد الأوروبي؛ لتسليط الضوء على واقع اعتقال الصحافيين/ات الفلسطينيين/ات، والمعاناة التي يواجهونها يوميًا.
بدأ اعتقال الساعي في مركز توقيف “حوّارة”، حيث أمضى 19 يومًا مع 75 أسيرًا قبل نقله إلى مجدّو. وعلى الرغم من حالته الصحية الحرجة بعد عملية نقل كلية لابنه، واحتياجه المستمر للأدوية، حُرم من أي رعاية طبية.
هنا بدأت فصول قصة وصفها بـ”الأصعب والأبشع” في حياته. فور دخوله السجن، قامت سجّانة بنزع نظارته وفحصه بعنف، ثم عُصبَت عيناه، وسُيّر في ممرات كان يسمع خلالها صرخات وتعذيب فلسطينيين آخرين. حتى عند دخول غرفة الطبيب، اكتشف أنه شريك في الحرمان من العلاج، حين لم يكترث لحالته، متهِمًا إياه زورًا بالانتماء إلى حركة “حماس”.
في المرحلة التالية، تعرض الساعي لسلسلة من الإهانات الجسدية والاغتصاب الجماعي. قال بقهرٍ غشيَ صوته: “نزعوا بنطالي ووضعوني بوضعية السجود، رأسي للأرض في مكان كانت رائحته كريهة: دماء، بول، وأسنان مكسورة. تم ضربي على المؤخرة، وشعرت بألم مضاعف حين أدخلوا أشياء بطريقة مهينة إلى جسدي”.
استمر التعذيب نحو 40 دقيقة، محاولات المقاومة باءت بالفشل، وسط ضحك السجانين وتصويرهم للجريمة، ليخرج الساعي منهكًا غير قادر على المشي، وسُحِل في الممر قبل نقله إلى قسم (5) للاستحمام بماءٍ قليل، مكتشفًا وجود دماء في منطقة المستقيم، وعدم قدرته على النوم بسبب انتشار البق وانعدام الكهرباء.
في القسم رقم (5) فوجئ الساعي -حسب شهادته- بالأسرى يسألونه عما يجري في الخارج، وما إذا كانت الحرب على غزة توقفت! “كانوا معزولين تمامًا عن العالم، ويعيشون على القليل من الطعام”.
في اليوم التالي، نُقل لسحب عينة دم، وإذا بالسجان يشتمه ويهينه، وحينما التقاه عناصر من الاستخبارات بعدما طلب لقاءهم للانتقال من القسم، “قالوا إن الأسرى يجب أن يتعرضوا للإهانة. ثم سألوه عمن يفكر منهم في طعن جنود!”.
ومع انتقاله لسجن “نفحة”، ودمج السجون ببعضها، تعرّض الأسرى للهجوم وسط إطلاق قنابل الصوت ووحشية الكلاب المدربة. “ضرب وسحل إلى ساحة السجن، حياة الاعتقال كانت متسلسلةً بين البرد القارس، والغذاء المحدود، والانتهاكات المتكررة من قبل السجّانين، إضافة إلى الإهانات قبل وخلال لقاء المحامي أو الطبيب، حيث لا تتجاوز مدة المكوث دقائق معدودة، غالبًا بعد تعرض الأسير للضرب والتهديد” يقول.
لقد شهد الساعي حالات إصابة بمرض تليف الكبد، وأمراض جلدية مثل اسكابيوس، أدت إلى وفاة بعض الأسرى نتيجة الإهمال الطبي المتعمد، رغم أن هذه الأمراض قابلة للعلاج عالميًا.
وأشار إلى أن الاحتلال يتعمّد عدم عزل المصابين، ليختلطوا ببقية الأسرى، في ظروف يزيدها الألم والمعاناة اليومية، وأن عمليات التعذيب ممنهجة، وتستمر على مراحل مختلفة داخل الغرف الضيقة، الخالية من أي أدوات قد تسبب خدشًا للسجان، مع رش غاز الفلفل وسحل الأسرى لأتفه الأسباب.
“حتى وصول المحامي أصبح يومًا إضافيًا من التعذيب، حيث يتعرض الأسرى للضرب طوال الطريق، ويُجبرون على المكوث دقائق معدودة دون فرصة للحديث أو الاطمئنان على الأهل، فيما تتأخر زيارة الطبيب لعشرة أشهر كاملة غالبًا، مع شتم وإهانة وتحريض مستمر” يضيف.
الظروف القاسية تشمل أيضًا البرد الشديد، حيث ينام الأسرى بملابس خفيفة، على أسطح حديدية وشبابيك مفتوحة، وتتورم أيديهم ووجوههم من شدة البرد، فيما تُتوفى بعض الحالات بسبب نقص الملابس والأغطية.
الساعي أعرب عن لومه لقيادة السلطة الفلسطينية التي أكد أنها لم تتواصل معه بعد تحرره، ولم تسأل عن حالته رغم أنه من القلائل الذين وثقوا تجربتهم بالصوت والصورة، كما تم قطع راتبه وهو الدخل الوحيد لعائلته المكونة من زوجته وأطفاله الستة.
وختم الساعي شهادته بتأكيد أنه يريد لصوته أن يصل للعالم، وأن تتحمل أي جهة قادرة على رفع قضيته مسؤولية ما يحدث داخل السجون.
يقول: “نريد أن يعرف العالم أن الأسرى في فلسطين يعيشون جحيمًا يوميًا، وأن هناك شهداء راحوا ضحية الإهمال والتعذيب رغم أنهم بصحة جيدة، مثل صديقي رفيق السجن صخر زغول من بيت لحم، الذي كان خبر استشهاده صادمًا”. يصمت قليلًا قبل أن يكمل بصوتٍ متهدج وحرقة أغرقت ملامحه: “هذه شهادة عن واقع لا يمكن السكوت عنه.. نطالب بالعدالة والإنصاف لكل من تعرض للتعذيب والإهانة والاغتصاب داخل سجون الاحتلال المظلمة”.