ضغوط ديمقراطية تكسر الصمت الأمريكي عن نووي “إسرائيل” في خضم حرب إيران

وجّه 30 مشرّعا ديمقراطيا في مجلس النواب الأمريكي، بقيادة النائب خواكين كاسترو، رسالة إلى وزير الخارجية ماركو روبيو، يطالبون فيها بإنهاء سياسة الصمت الرسمي تجاه قدرات “إسرائيل” النووية وذلك في خطوة تُعد خروجا عن العرف السائد بين الحزبين.

ويستند المشرعون في رسالتهم إلى مبدأ الشفافية، مؤكدين أن “مخاطر سوء التقدير والتصعيد والاستخدام النووي في هذه البيئة ليست نظرية”، ومشيرين إلى التناقض في السياسة الأمريكية قائلين: “لا يمكننا تطوير سياسة متماسكة لمنع الانتشار النووي في الشرق الأوسط… مع الحفاظ على سياسة الصمت الرسمي حول قدرات الأسلحة النووية لطرف مركزي في الصراع المستمر”.

هذا التحرك، وفقا لجيريمي شابيرو، المسؤول السابق في إدارة أوباما، يعكس تراجعا حادا في الدعم التقليدي للاحتلال داخل الحزب الديمقراطي، خصوصا على وقع الغضب من استهداف المدنيين في غزة ولبنان، حيث تشير استطلاعات مركز “بيو” إلى أن 80% من الديمقراطيين باتوا ينظرون إلى لدولة الاحتلال بشكل سلبي، ويطالبون بمحاسبتها وفقا للمعايير الدولية ذاتها التي تطبق على الدول الأخرى.

غير أن المطالبة بالشفافية لم تعد حكرا على اليسار الديمقراطي، ففي تصريح لافت يعكس تململا أوسع، قال سكوت ماكونيل، المؤسس المشارك لمجلة “ذا أمريكان كونسيرفاتيف” اليمينية: “لقد خضنا حربين في هذا القرن للحفاظ على الاحتكار النووي الإسرائيلي. ربما يكون هذا الاحتكار شيئا جيدا وضروريا، ولكن ربما يمكننا على الأقل التحدث عنه”.

تعود سياسة “الغموض النووي” إلى اتفاق غير رسمي عام 1969 بين الرئيس ريتشارد نيكسون ورئيسة وزراء الاحتلال غولدا مائير، وافقت واشنطن بموجبه على حماية “إسرائيل” من التدقيق الدولي.

ويوضح المؤرخ أفنير كوهين أن إسرائيل “لم تكن لتتمكن من الحفاظ على هذه السياسة لعقود لولا الولايات المتحدة”.

ومما يبرز هذه المفارقة أن إيران، على عكس “إسرائيل”، مُوقعة على معاهدة حظر الانتشار النووي (NPT) وتخضع منشآتها لتفتيش الوكالة الدولية، رغم الجدل بشأن مستوى تعاونها، في حين تبقى المنشآت “الإسرائيلية” خارج أي منظومة رقابية دولية.

ولعل الاختراق التاريخي الوحيد لهذا الجدار السري حدث عام 1986، عندما كشف الفني الإسرائيلي مردخاي فعنونو تفاصيل وصورا من داخل مفاعل ديمونة لصحيفة “صنداي تايمز” البريطانية، وهو ما كلّفه الاختطاف على يد الموساد ومحاكمة سرية أفضت إلى سجنه 18 عاما.

اليوم، تتباين التقديرات حول حجم هذه الترسانة، فبينما يشير معهد ستوكهولم لأبحاث السلام (SIPRI) إلى امتلاك الاحتلال نحو 80 رأسا نوويا، تذهب تقديرات أخرى في الأدبيات المتخصصة إلى أعداد أعلى قد تقترب من عدة مئات، وإن ظلت هذه الأرقام محل جدل تقديري بسبب غياب الشفافية الرسمية.

خلف الأبواب المغلقة، تشهد إدارة ترمب حالة من القلق بشأن العقيدة النووية للاحتلال، فمع استمرار حرب الاستنزاف الإقليمية، تناقش واشنطن سيناريوهات مقلقة حول انخفاض عتبة استخدام الاحتلال للسلاح النووي.

العقيدة “الإسرائيلية” تنظر للحروب الإقليمية كتهديدات وجودية، وهو ما يفتح الباب أمام ما يعرف في الأدبيات الإستراتيجية بـ”خيار شمشون”، أي التلويح باستخدام السلاح الشامل لتجنب الهزيمة.

وقد تعززت هذه الهواجس، كما أوردت صحيفة “واشنطن بوست”، بعد الهجمات الصاروخية الإيرانية في مارس/آذار 2026، التي ضربت مدينتي ديمونة وعراد بالقرب من المفاعل النووي الرئيسي، ردا على العدوان الأمريكية – الإسرائيلية المشتركة على البرنامج النووي الإيراني.

ورغم عدم حدوث تسرب إشعاعي، فإن كشف ثغرات في الدفاعات الجوية “الإسرائيلية” دفع المسؤولين الأمريكيين للتساؤل بجدية: هل يلجأ الاحتلال إلى الرد النووي إذا ما غمرت دفاعاتها بصواريخ أوقعت خسائر بشرية غير معتادة؟

لم يعد ملف الترسانة النووية “الإسرائيلية” مجرد “سر مكشوف” يسهل تجاهله، بل تحوّل إلى نقطة ارتكاز تضغط على مصداقية السياسة الخارجية الأمريكية.

وفي ظل حرب إقليمية متسعة، يجد العالم نفسه أمام مفارقة صارخة: تركيز دولي وعسكري صارم لتفكيك بنية نووية إيرانية تخضع لتفتيش دولي ولم تثبت عسكريتها بعد، في مقابل صمت رسمي مطبق لحماية دولة نووية خارج المعاهدات الدولية، تمتلك عقيدة غامضة وعتبة استخدام تثير قلق حلفائها قبل خصومها.

#أخبار_البلد

زر الذهاب إلى الأعلى