فضاءات الثقافة والفنون الأدائية في جنين بين مطرقة الإتهام وسندان غياب البنية التحتية

بقلم أنسام سباعنة

كيف تواجه المساحات الثقافية الوضع المجتمعي العام في جنين؟

في جنين، لا يكتفي الفضاء الثقافي والفني تحديداً بمقاومة حصار الاحتلال، بل يخوض معركة كسر طوق آخر من العزلة والأنماط الجاهزة. مواجهة يومية تضع المبادرات الفنية في موقع الدفاع الدائم عن جدواها، لتفكيك الصورة النمطية التي تحصر الفن في زاوية بعيدة . كما يبذل الفنانون جهوداً مضنية من أجل اعادة ربط الفضاء الثقافي بنبض الشارع والبيئة الاجتماعية المحيطة.
ومن فضاء مسرح الحرية، الذي واجه ولا زال تحدياً على الصمود أمام الاحتلال للاستمرار، رغم سيطرة الجيش الاسرائيلي لمكانه في المخيم، استطاعوا فتح مساحة اخرى تسمح لأطفالها وشبابها بالتنفس وسط المدينة، في قاعة التدريب، حيث يمارس هؤلاء الأطفال والشباب ما يؤمنون به، في ورشات الدراما، السيرك والتعبير الجسدي، في ظل وجود سؤال ملح حول جدوى الفن وحقه في البقاء داخل مجتمع يسيطر عليه الترقب.

“مزرعة الحيوان”: من تجسيد النقد إلى الوقوع في مرمى الاتهام

لا يتوقف التحدي المجتمعي على الوضع العام سياسياً، بل انه يتجاوز ذلك ليصبح موضع اتهامات واضحة ومباشرة تحفز بالوصمة الاجتماعية. يروي مدير مسرح الحرية “مصطفى شتا”، كيف تحول عرض مسرحي مقتبس من رواية الكاتب جورج أورويل “مزرعة الحيوان”، الى اتهام صريح للمسرح بتخريب العقول، تشويه صورة الإنسان والترويج للخنازير، وبأنه على حد قوله: “رجس من عمل الشيطان”.

وبدوره يقول شتا بأن هذا النموذج ما هو إلا خطاب جاهز ينطلق أحيانا من منابر عامة او جلسات خاصة، تحصر الفضاء الفني والثقافي في تهم جاهزة حول الاختلاط، والترويج لثقافة الغرب، وتعرية النساء، بالرغم من وجود ممثلات ومشاركات في المسرح وعلى رأسهن الحجاب، وبرأيه لا يكون ذلك بعيداً عن نفاق بعض القيادات المحلية التي تعلن دعم الهوية الثقافية اما الكاميرات، بينما تدعم وتحيي زوال هذه المساحات ورائها.

مع ذلك، يؤكد مصطفى أن هذا التوتر ليس “صراعاً تناقضياً” أو إلغائياً مع الشارع؛ فـ “المجتمع هو الأهل؛ أمي، أبي وإخوتي”. ومن هنا، تأتي الاستجابة البنائية عبر نزع النخبوية عن العمل الفني، وإعادة “ملكية السردية” للناس من خلال توثيق التاريخ الشفهي وتنظيم العروض الجوالة للوصول إلى الأطفال في قراهم المهمشة مثل قباطية، فقوعة، اليامون وغيرها.

و يطرح مدير المسرح نقداً ذاتياً جريئاً يرفض فيه إلقاء اللوم كاملاً على الشارع: الأزمة ليست في الناس بل في الأدوات التي نستخدمها للوصول إليهم. إذا لم يحضر الجمهور، فليس لأنه يملك موقفاً مسبقاً ضد الحرية، بل لأننا لم نصل إليه بالطريقة السليمة، ويحذر شتا من فخ الانعزال داخل “جيتو نخبوي” يتوهم أنه الأكثر ذكاءً وثقافة من مجتمعه. وبدلاً من إطلاق الأحكام المتبادلة، تبرز الاستجابة البنائية بدعوة المعارضين والمجتمع المحافظ حتى مشايخ المساجد لدخول العروض ومناقشتها وتفنيدها فكرياً داخل أروقة المسرح نفسه، لتحويل الرفض الشفهي السطحي إلى حوار ومناظرة واعية.

حقوق الصورة محفوظة لمسرح الحرية
حقوق الصورة محفوظة لمسرح الحرية

ولا يسلم الشباب أيضاً من هذا التسطيح؛ إذ يوضح آدم وهو أحد طلاب المسرح كيف ينظر جزء من المجتمع لجهودهم باستهانة: “يقولون لي: بتمثل مع بنات؟ ماذا تفعل هناك؟ مهرجون ترقصون وتلعبون مع الأطفال!” وصولاً الى قطع أصدقاءه علاقته معه في المدرسة لأنه “ممثل”. مضيفاً إلى ذلك الخوف العائلي الناجم عن التهديدات العسكرية التي تعيشها المدينة، لكن ذلك لا يجعله سوى اكثر اصرارا على الاستمرار، بعد أن منحته التدريبات رؤية نقدية للعالم، ومساحة لنقل الخبرة للأطفال وتوفير بيئة تفريغ نفسي لهم.

أزمة تثقيف وهشاشة بنيوية: معالم خلل يتطلب العلاج

من جانبها، تضع نور عمور، مهتمة بالانشطة الثقافية في جنين، يدها على الجذر الأساسي لهذه الأزمة، مشيرة إلى أن المجتمع يربط الفن بالرفاهية وراحة البال وهما أمران غائبان عن المدينة مما يدفع الناس للاستعاضة عنه بتفريغ سريع واستهلاكي كالكافيهات والمجمعات التجارية.

و تنتقد عمور غياب “الأنشطة المستدامة” والبنية التحتية؛ فالمبادرات الموجودة من ورش عمل وتدريبات أو حتى بعض العروض، تظل مؤقتة وتفتقر لنظام ثابت يضمن الاستمرارية، في ظل غياب برامج طويلة الأمد تعمل على تطوير المنظومة الثقافية بشكل فعال وبنيوي، حيث ترى أن غياب التثقيف الفني، والمراكز المتخصصة، يفرض نخبويّة جغرافية واقتصادية، يجعل من جنين تفتقر لمساحات التعلم، مؤكدة أن الفن ليس ثانوياً، بل هو حاجة إنسانية أصيلة للصحة النفسية والابتكار منذ بدء الخليقة.

وأمام هذه التحديات المركبة، يواصل الفاعلون الثقافيون في جنين – مؤسسات وفنانين وشباباً – الإصرار على طرق جدران الخزان.
هي ليست مجرد مواجهة لإثبات الوجود، بل مسعى حثيث لترسيخ قناعة مفادها أن الفن ليس جسماً غريباً عن مجتمعه، وأن الاختلاف لا يعني الاغتراب. إنها محاولة مستمرة لبناء جسور التواصل، ونزع النخبوية عن الفضاء الثقافي الفني، ليتحول إلى ملكية عامة للناس، ومساحة مفتوحة للتفكير، والنقد، والتعبير الحر، وملاذاً آمناً للإبداع في وجه محاولات التكميم.

 

 

 

 

#أخبار_البلد

زر الذهاب إلى الأعلى