ما بعد الولادة…حين تصبح الخيمة إختباراً أخر للألم

تقرير: روان الشرفا

“وضعوني في كرسي متحرك أنام عليه، لكن الفرشة تؤلمني بسبب ما تحتها”.

بهذه الكلمات، تصف منى جروشة (39 عامًا) أيام النفاس داخل خيمة في مخيم اليرموك للنازحين في غزة.

بعد ولادة قيصرية، لم تجد سريرًا تنام عليه، ولا أرضًا آمنة تستطيع الاستلقاء عليها؛ فالرمال غير المستوية والرطوبة والحشرات تجعل النوم على الأرض مصدر خوف على جرحها.

في الأيام التي يفترض أن تستعيد فيها الأم عافيتها وتعتني بطفلها حديث الولادة، تجد منى وأمهات أخريات أنفسهن أمام ظروف قاسية: خيام تفتقر إلى الخصوصية، ومياه وخدمات نظافة محدودة، وحرارة مرتفعة، ومخاوف مستمرة على صحتهن وصحة مواليدهن.

معاناة منى ازدادت مع البحث عن مكان آمن للنوم ،جلست على الكرسي المتحرك لساعات طوال، وتصلب ظهرها، لكنها خشيت النزول. تقول: “الأرض غير ثابتة بسبب الرمال، والحشرات الزاحفة تملأ المكان ،أخشى أن تتفكك غرز العملية الجراحية بسبب طبيعة الأرض المتعرجة، أو أن أصاب بعدوى لعدم وجود بيئة معقمة ،أضطر للبقاء على هذا الكرسي رغم صعوبة النوم عليه”.

لم تقتصر التداعيات على منى، بل طالت طفلها الرضيع الذي لم يتحمل حرارة الخيمة؛ إذ ارتفعت حرارته فجأة إلى 38.5 درجة مئوية، ليُنقل بشكل عاجل إلى المستشفى. تضيف منى: “الخيمة ليست كالبيت، لا جدران تحمينا ،هنا رمل ومياه صرف صحي تتسرب قريباً منا وحشرات ،أخشى أن تلتهب جراحي، وحتى الأدوية التي قد تخفف الألم، لا أجدها بسهولة في الصيدليات، وإن وُجدت، لا أملك ثمنها”.

وعلى بُعد خطوات، تبرز معاناة من نوع آخر لدى نسرين الحرازيني (34 عاماً)، التي خضعت لولادة قيصرية طارئة إثر أزمة نزيف حاد وتوقف لنبض الجنين.

بالنسبة لنسرين، الالم الأكبر كان في غياب الخصوصية وانعدام مساحات النظافة الآمنة.

تحول الحمام المشترك والضيق، المُحاط بقطع قماشية، إلى عبء يومي ، الجلوس أرضاً أو الانحناء بوجود غرز الجراحة الحديثة بات أمراً شاقاً.

تكتفي نسرين بمسح جسدها بالقليل من الماء، خشية أن يلتهب جرح العملية، وسط حرارة الصيف ودخان نيران الحطب ، وفي الليل، تلاحقها المخاوف على طفلها “مراد” من العقارب والفئران التي تنشط بين الخيام.

ما بعد الولادة...حين تصبح الخيمة إختباراً أخر للألم

أما أزهار العمران (38 عاماً)، فتروي جانباً مختلفاً  من الألم يتعلق بالتغذية والعتمة ، باغتتها آلام المخاض في الليل، في خيمة غارقة في الظلام بسبب انقطاع الكهرباء وعدم قدرتها على شحن الهواتف لطلب المساعدة ، وتصف أزهار عجزها عن الحركة لأيام بعد الولادة وكأن حوضها “مشلول أو مكسور”.

تزامن هذا الجهد الجسدي مع حرارة الخيمة المرتفعة نهاراً وقلة التغذية، مما أدى إلى جفاف ثديها وانقطاع الحليب الطبيعي عن طفلتها “أرين”.

وجدت أزهار نفسها مجبرة على البحث عن الحليب الصناعي، الذي تشكل تكاليفه عبئاً كبيراً على أسرة تعيش ظروفاً إغاثية صعبة.

خلف هذه الشهادات الفردية، تبرز تداعيات صحية ونفسية تحذر منها المتخصصات في الميدان.

وتحذر الطبيبة ميادة شامية من المخاطر الصحية التي تواجهها النساء في فترة ما بعد الولادة في ظل غياب النظافة والمياه والرعاية الطبية، مشيرة إلى أن نوم الأم بعد الولادة، سواء القيصرية أو الطبيعية، على الأرضيات الصلبة وغير المستوية يمنع الرحم من الانقباض والعودة لوضعه الطبيعي، مما قد يزيد من احتمالات الإصابة بالنزيف.

وتضيف: “تزداد احتمالية تفشي التهابات المسالك البولية والرحم، نتيجة اضطرار الأمهات لاستخدام بدائل غير معقمة، في ظل شح الفوط الصحية المخصصة للنفاس والمياه النظيفة”.

على الصعيد النفسي، ترى الأخصائية النفسية نوال عسقولة أن ما تعيشه الأمهات النازحات يتجاوز “اكتئاب ما بعد الولادة” التقليدي، ليصل إلى ما تصفه بـ “اضطراب صدمة البقاء المركّب”، والذي يمتد أثره إلى المواليد الذين يستشعرون توتر أمهاتهم.

ما بعد الولادة...حين تصبح الخيمة إختباراً أخر للألم

وتوضح أن الأمهات العاجزات عن توفير سرير يرفع أطفالهن عن الأرض، أو حفاضة، أو حليب، يصلن تحت وطأة انعدام الأمان إلى الشعور بالعجز المفرط وجلد الذات.

وللحد من هذه التداعيات، تؤكد الأخصائية الاجتماعية سجود المدهون أن غياب الدعم المنظم، واشتراط بعض الجهات الإغاثية شروطاً معينة لحصول النساء في فترة النفاس على المساعدة، يزيد من تهميشهن.

وتضيف: “احتياج الأم اليوم ليس مجرد إغاثة عابرة؛ بل هو سرير دافئ، حقيبة نظافة شخصية شهرية، طعام صحي، ومساحة آمنة تحفظ كرامتها”.

ينام الطفل أخيرًا، لكن أمه تبقى مستيقظة؛ تحرس جرحها من الرمل، وتحرسه من حرارة الخيمة وحشرات الليل ، في الأيام التي يفترض أن تكون بداية هادئة لحياة جديدة، تتحول الولادة في غزة إلى بداية أخرى للألم.

لا تحتاج الأمهات إلى الكثير كي يتعافين؛ فقط إلى مكان آمن، وسرير، وماء نظيف، وشيء من الطمأنينة ،أشياء تبدو عادية في أي ولادة، لكنها هنا تصبح أمنيات مؤجلة.

هنا، لا تبدو الولادة نهاية رحلة الألم، بل بداية مرحلة أخرى منه ، وبين الألم والانتظار، يبقى سؤال واحد معلق في صدر الأم: هل تحمل الولادة معها بعض الراحة بعد حمل أثقل من الجسد، أم أنها بداية لعذاب آخر؟

#أخبار_البلد

زر الذهاب إلى الأعلى