صحفيون “متعاونون”.. وحقوقٌ مُعلّقة في أخطر ميادين التغطية!

تحقيق صحفي: عبير صالحة ومحمد الهمص

كان مؤمن عليوة واحدًا من الصحفيين الذين اختاروا البقاء في الميدان رغم اتساع دائرة الخطر. لأكثر من سبعة أشهر، عمل مع طاقم قناة الجزيرة في غزة، مستخدمًا معدات القناة ومركباتها، ومقيمًا مع أفراد الطاقم في الخيمة نفسها، ويتلقى مهامه من المسؤول عن العمل في القطاع آنذاك، أنس الشريف، كما كان المصور الأساسي لمراسل القناة محمد قريقع، بحسب زملاء تحدثوا لمعدّي التحقيق.

في العاشر من أغسطس/آب 2025، استُهدفت خيمة طاقم الجزيرة قرب مستشفى الشفاء، فاستُشهد عليوة مع خمسة من زملائه، لكن بالنسبة إلى عائلته، لم تنتهِ القضية، إذ بدأت بعدها رحلة أخرى للبحث عن حقوقه المالية والمهنية.

يقول شقيقه محمود: “الأسرة لم تتلقَّ أي تعويض أو مبلغ مالي بعد استشهاده”، وكان الرد الذي تلقته -بحسب روايته- أن مؤمن لم يكن مرتبطًا بعقد رسمي مع القناة.

زميلان لمؤمن لا يزالان على رأس العمل، تحدثا لمعدّي التحقيق عن علاقة مهنية مختلفة عن مجرد تعاون عابر، “فقد كان يعمل بصورة منتظمة مع الطاقم، وينام في الخيمة نفسها، ويتنقل في مركبات المؤسسة، ويستخدم معداتها، ويتلقى مهام العمل، كما كان المصور الأساسي لمراسل القناة” يقول أحدهما.

لكن توصيف الجزيرة لعلاقتها بعليوة لم يكن ثابتًا. ففي 11 أغسطس/آب 2025، وبعد يوم من استهداف خيمة طاقمها، نشرت الشبكة تقريرًا عن الصحفيين الذين قتلوا في الاستهداف، وقدمت عليوة بوصفه واحدًا من فريقها، مشيرة إلى أنه التحق بالجزيرة قبل نحو أربعة أشهر مصورًا ومونتيرًا. وبعد يوم واحد، ظهر تعديل في النسخة الإنجليزية من التقرير المنشور في 10 أغسطس/آب، انتقل فيه توصيف عليوة من أحد قتلى القناة إلى “مصور مستقل”.

ويشير الزميل الثاني إلى أن أنس الشريف حاول، على مدى نحو ثلاثة أشهر، تأمين عقد رسمي لعليوة، لكن ذلك لم يتم. وبحسب المصدر نفسه، كان عليوة يتلقى مخصصاته الشهرية تحت بند “المصروفات” بصورة مباشرة من أنس الشريف، مشيرًا إلى أن القناة كانت على علم بآلية عمله منذ بداية التحاقه بالطاقم مطلع عام 2025م.

ويعرّف قانون العمل الفلسطيني عقد العمل بأنه اتفاق قد يكون كتابيًا أو شفهيًا، صريحًا أو ضمنيًا، متى كان العامل يؤدي عملًا لمصلحة صاحب العمل وتحت إدارته وإشرافه مقابل أجر. كما تلزم المادة (28) من قانون العمل الفلسطيني رقم (7) لسنة 2000، بتنظيم العقد كتابةً وتحديد شروط العمل الأساسية، لكنها تتيح للعامل إثبات حقوقه بكافة طرق الإثبات القانونية.

ويتقاطع القانون القطري مع هذا المبدأ، فالمادة (38) من قانون العمل رقم (14) لسنة 2004م تشترط أن يكون عقد العمل مكتوبًا، لكنها تنص في الوقت نفسه على أنه، عند غياب العقد المكتوب، يجوز للعامل إثبات علاقة العمل والحقوق الناشئة عنها بجميع طرق الإثبات.

وفي الحالتين، لا تتوقف المسألة عند وجود عقد مكتوب من عدمه، بل تبرز طبيعة العلاقة الفعلية: هل كان يؤدي عملًا منتظمًا لحساب المؤسسة، ويتلقى توجيهاتها ويعمل تحت إدارتها مقابل أجر؟ وهي عناصر تتقاطع مباشرة مع الوقائع التي يوردها زملاء عليوة عن انتظام عمله، وتلقيه المهام، واستخدامه معدات القناة ومركباتها، وتلقي مخصصات شهرية منها.

وتكتسب المسألة أهمية إضافية في حالة الجزيرة، لأن عقدًا حصل عليه معدّا التحقيق لأحد المصورين العاملين معها في غزة يخضع، بحسب ما ورد فيه، للقانون القطري. وهذا لا يعني تلقائيًا أن قانون العمل القطري ينطبق على علاقة عليوة، إذ يتطلب تحديد القانون الواجب التطبيق فحص طبيعة العلاقة والجهة المتعاقدة ومكان العمل ونصوص العقد والقواعد ذات الصلة بالاختصاص.

لكن إذا ثبت خضوع العلاقة لقانون العمل القطري، فإن الحقوق لا تقف عند إثبات علاقة العمل، إذ يلزم القانون صاحب العمل في المادة (99) بإحاطة العامل بمخاطر عمله، وفي المادة (100) باتخاذ الاحتياطات اللازمة لحمايته من إصابات العمل، فيما يمنح ورثة العامل، وفق المادة (110) الذي يتوفى بسبب العمل حقًا في التعويض.

وبذلك، يصبح السؤال الذي تطرحه حالة عليوة أكثر تحديدًا: إذا أثبتت الوقائع وجود علاقة عمل فعلية، فما القانون الذي يحكمها، وما الحقوق التي كانت تترتب عليها عند الوفاة؟

حالة مؤمن عليوة لا تختصر الحكاية، فخلال تتبع علاقة الصحفيين المحليين بالمؤسسات الإعلامية التي عملوا معها في غزة، ظهرت حالات أخرى تتكرر فيها الأسئلة نفسها بصور مختلفة: ماذا يعني أن يعمل الصحفي من دون عقد واضح؟ ومن يتحمل كلفة الخطر الذي يتعرض له؟ وما الذي يبقى له ولأسرته من حقوق عندما يصاب أو يفقد حياته؟

يتتبع هذا التحقيق حالات لصحفيين عملوا مع مؤسسات إعلامية محلية ودولية خلال الحرب، ويفحص طبيعة علاقاتهم المهنية، وما حصلوا عليه من أجور وحماية وتأمين، وما حدث لمستحقاتهم بعد الإصابة أو توقف العمل أو الوفاة، للوقوف على المسافة بين ما يقدمه الصحفي في الميدان وما تلتزم به المؤسسة التي يعمل معها، وما إذا كان غياب العقد المكتوب يعني بالضرورة غياب الحقوق أيضًا..

ولا يعني ذلك أن العمل بصفة “متعاون” أو “مستقل” ينشئ -بحد ذاته- حقًا تلقائيًا في التعويض عند الإصابة أو الوفاة، فالعمل الحر نمط مهني معتمد في المؤسسات الإعلامية، وتحدد حقوق العامل فيه بحسب طبيعة العلاقة، وما ينص عليه العقد أو الاتفاق، والقانون الواجب التطبيق، وأي تغطية تأمينية أو ترتيبات خاصة بالمهمات الخطرة.

لكن الإشكال يظهر عندما يؤدي الصحفي بصورة منتظمة مهامًا لصالح مؤسسة، ويتلقى توجيهاتها ويستخدم معداتها أو يعمل وفق ترتيباتها، من دون أن تكون طبيعة العلاقة أو المسؤوليات المترتبة عليها محددة بوضوح.

عندها لا يعود السؤال ما إذا كان الصحفي “حرًا” أو “موظفًا” بالاسم، وإنما ما الذي اتُّفق عليه؟ وما الذي تفرضه طبيعة العلاقة والقانون؟ ومن يتحمل المخاطر المهنية والحقوق المترتبة عليها إذا وقع الضرر؟

علاقة موثقة في مقابل علاقة غير واضحة

في حالة أخرى تبدو الصورة مختلفة. قتلت “إسرائيل” الصحفي إسماعيل الغول، مراسل الجزيرة في غزة، في 31 يوليو/تموز 2024م. وتقول أسرته “إنه كان مرتبطًا بعقد رسمي مع المؤسسة التي يعمل معها، وإنها حصلت بعد وفاته على تعويض، كما حصلت ابنته زينة على مبلغ مالي حتى بلوغها سن الثامنة عشرة”.

ووفق الأسرة، فإن راتبه توقف باستشهاده، ولم يستمر صرف راتب شهري بعد ذلك.

وتضع هذه الحالة علاقة مهنية موثقة في مقابل حالة بقي فيها الوضع التعاقدي لمؤمن عليوة غير واضح، وهو اختلاف قد تكون له آثار مباشرة على قدرة الصحفي أو أسرته على إثبات الحقوق والمطالبة بها عند الإصابة أو الوفاة.

وللوقوف على موقف شبكة الجزيرة من علاقة عليوة بها، وما ترتب عليها من حقوق قبل استشهاده وبعده، تواصل معدا التحقيق مع الشبكة عبر أكثر من قناة رسمية؛ ففي 25 أغسطس/آب 2026م، تواصلا عبر تطبيق واتساب، كما جرى في اليوم ذاته تعبئة نموذج التواصل الرسمي على موقع الشبكة، ثم أُعيد التواصل عبر البريد الإلكتروني الرسمي في 29 أغسطس/آب. وتناول الاستفسار طبيعة علاقة عليوة بالشبكة، وآلية صرف مستحقاته، وما إذا كان مشمولًا بالتأمين أو بأي مظلة للحماية المهنية، إضافة إلى الإجراءات التي اتخذتها المؤسسة تجاه حقوق أسرته بعد استشهاده.

كما طلب معدا التحقيق توضيح الإطار القانوني والتعاقدي الذي يحكم علاقة الشبكة بالصحفيين المحليين في غزة، وسياساتها تجاه من يعملون معها بصورة منتظمة من دون عقود رسمية.

وحتى تاريخ نشر هذا التحقيق، لم تصل أي إجابة من شبكة الجزيرة.

دون عقد.. وبدون مستحقات

الخطر لا ينتهي بخروج الصحفي حيًا من الميدان، فقد يبقى حاضرًا في صورة علاقة مهنية غير واضحة، ومستحقات يصعب تحصيلها، وحقوق لا يعرف الصحفي أو المؤسسة حدودها بدقة.

هذه هي حالة مؤمن أبو عودة، المصور الذي عمل مع إحدى المحطات الفضائية منذ 14 ديسمبر/كانون الأول 2023م، بعدما حل مكان زميل سابق كان قد أسره الجيش الإسرائيلي.

عمل أبو عودة بصورة يومية، من دون عقد مكتوب، وفق إفادته، وكان يتلقى التوجيهات من مراسل القناة في غزة. ويؤكد أنه تلقى دفعة من رواتبه المتراكمة، لكن المبلغ الذي تسلمه كان أقل من مستحقاته، وأنه وُعد بتسوية المبلغ المتبقي من دون أن يحصل عليه حتى الآن.

كانت آخر مهمة له في الأول من فبراير/شباط 2025م، خلال تغطية تسليم الأسرى في ميناء غزة. يقول: “تلقيت وعودًا بالعودة إلى العمل، قبل أن يُعرض علي لاحقًا العمل بنظام القطعة، بمبالغ تتراوح بحسب حجم العمل بين 100 و200 دولار شهريًا”، وهو الأمر الذي رفضه جملةً وتفصيلًا.

ويقول إنه طلب التواصل المباشر مع القناة بشأن مستحقاته، لكن تسويتها لم تتم -وفق إفادته- كما لم يحصل على تعويض نهاية خدمة. أما من ناحية السلامة، فيشير إلى أن المؤسسة كانت تتواصل معه بشأن سلامته وحياته، لكنه اشترى سترة واقية من ماله الخاص، ولم يكن لديه تأمين صحي من المؤسسة.

ولا يحدد قانون العمل الفلسطيني الأجر بوصفه حقًا ثانويًا، وتنص المادة (82) على أن يُدفع أجر العامل في مواعيده المحددة، وألا يتجاوز تأخير دفعه خمسة أيام من تاريخ الاستحقاق.

كما تعدُّ المادة (85) أجر العامل من الديون الممتازة. لكن تطبيق هذه الأحكام يتوقف، مرة أخرى، على ثبوت خضوع العلاقة للقانون.

العمل بالقطعة.. وحقوق لا تصل في موعدها

للتحقق مما إذا كانت هذه الحالات فردية أم تعكس نمطًا أوسع، تواصل معدّا التحقيق مع (12) صحفيًا وصحفية يعملون مع مؤسسات إعلامية محلية ودولية.

لا تمثل هذه العينة جميع الصحفيين بغزة، لكنها تكشف تباينًا واضحًا في طبيعة العلاقات المهنية ومستوى الحماية المتاحة.

من بين أفراد العينة، ثمانية يعملون مع مؤسسات محلية؛ سبعة منهم لديهم عقود عمل، بينما يعمل الثامن من دون عقد، وأربعة يعملون مع مؤسسات إعلامية دولية، ولا يحمل أي منهم عقدًا مباشرًا مع المؤسسة التي يعمل معها. وبحسب إفادات المشاركين، لم يحصل أي منهم على مستحقاته المالية كاملة في مواعيدها.

ثلاث حالات لصحفيين منهم سبق أن عملوا مع هيئة الإذاعة البريطانية (BBC). حصلت واحدة منهم على مستحقاتها بعد نحو عامين، فيما لا تزال صحفية أخرى تتابع بعد أن عملت مع المؤسسة لمدة عامين، واستمرت في المطالبة بحقوقها لنحو عام ونصف، وقد رفضت الكشف عن اسمها خشية أن يؤثر ذلك على تحصيل مستحقاتها.

وتحدثت الصحفية ولاء أبو جامع التي عملت متعاونة مع (BBC) إلى معدي التحقيق عن عامين من المطالبة والملاحقة، وقالت: “عملت بدون عقد مكتوب، وكانت إجراءات التعامل المالي تقتصر على تعبئة بيانات الحساب البنكي ورقم الآيبان والنماذج الخاصة بالدفع”.

وبحسب إفادتها، كان يفترض أن تُحوّل مستحقاتها كل أسبوعين، لكنها انتظرت نحو عامين كاملين قبل أن تحصل عليها. وتضيف: “معظم المتعاونين الشباب الذين عملوا مع ( BBC) في غزة كانوا يعملون بالطريقة نفسها، من دون عقود (..) تأخر المستحقات لم يكن حالة فردية، وليس للمؤسسة بغزة مكتب رسمي يمكن أن نتوجه إليه”.

وتظهر حالة الصحفي خالد شعث، من مدينة رفح جنوبي قطاع غزة، صورة أخرى من المشكلة، إذ أكد أنه عمل مع (BBC) مطلع العام 2025م، باسمه الشخصي، وبحساب بنكي شخصي سليم، ومع ذلك لم يصله من الهيئة أي دولار، لمدةٍ قاربت العام ونصف.

وتحدث شعث عن “مماطلة” عايشها في تحويل المستحقات المالية له، “وهي بالكاد تبلغ 1500 دولار”.

ويزيد: “قدمت لهم بياناتي البنكية كاملة، وراجعتهم أكثر من مرة، ومع ذلك لم أستلم أي مبلغ لشهور طويلة. في المقابل استقبلت على حسابي نفسه حوالات من دول أوروبية عديدة”، مضيفًا: “أخبروني بوجود خلل وأنهم سيراجعونه على الفور. أرسلوا رابطًا وطلبوا تعبئة البيانات، ولما فعلت، أعادوا إرساله وطلبوها بالإنجليزية. كنتُ مضطرًا لمجاراتهم كي أنال حقي في نهاية المطاف”.

في مدينة خان يونس وحدها -وفقًا لتقدير الصحفي شعث- عمل مع (BBC) ما لا يقل عن 20 صحافيًا/ـة بنفس الآلية، تعرضوا لنفس المماطلة، هذا غير عدد آخر موزع على بقية مناطق قطاع غزة.

يضيف: “هؤلاء اضطروا للعمل في ظل ظروفٍ بالغة التعقيد، من قصف واجتياحات المتكررة، وتحت إطار المخاطرة الكبيرة في التنقل للوصول إلى مناطق التغطية، ونقاط الإنترنت الجيد”، ملفتًا إلى أن استفساراتهم حول مستحقاتهم كانت تواجه دومًا برد واحد: “الإدارة هي اللي بتقرر”.

وفي الوقت الذي لم يستطع معدّا التحقيق الوصول فيه إلى مسؤول محدد في (BBC) ومواجهته بشكاوى الصحفيين، حاولا على مدار شهر، الحصول على تعليق عبر عنوان البريد الإلكتروني المنشور باللغة العربية على موقع المؤسسة، إلا أن الرسالة تعذر تسليمها، ولذلك لم يتسن الحصول على رد قبل نشر التحقيق.

صحفيون "متعاونون".. وحقوقٌ مُعلّقة في أخطر ميادين التغطية!

أما من داخل (BBC)، فتقدم الصحفية التي كانت تتولى التواصل مع فريق غزة -وقد انتهى عقدها بعد الحملة التي شُنت على الهيئة- رواية مختلفة لأسباب تأخر المستحقات. وبحسب إفادتها، كانت المؤسسة تحاول دفع مستحقات الصحفيين، لكن البنك الذي تتعامل معه كان يرفض تحويل الأموال إلى غزة، ما دفعها إلى البحث عن مسارات بديلة لإيصالها.

ومن بين هذه المحاولات، تحويل الأموال إلى حساب مصرفي لشخص في القدس، قبل أن يُغلق الحساب من دون إبلاغ (BBC)، فتعود الأموال إلى المؤسسة، ويستغرق استردادها أشهرًا.

كما واجهت التحويلات مشكلات أخرى -كما تؤكد- من بينها اختلاف العملة بين الحسابات بالشيكل والتحويلات بالدولار، ووجود سقوف محددة لاستقبال الأموال، واضطرار بعض الصحفيين إلى استخدام حسابات آبائهم أو أقاربهم.

وتقول الصحفية التي رفضت ذكر اسمها في سياق التحقيق “خشية الملاحقة الإسرائيلية”: “التحويل كان يصبح أكثر تعقيدًا عندما يكون صاحب الحساب موظفًا لدى الحكومة في غزة، في ظل مراقبة الحسابات المصرفية”، مشيرة إلى أن تحويل أموال باسم (BBC) إلى شخص غير مسجل بصفته صحفيًا كان قد يؤدي إلى إعادة المبلغ.

وفيما يتعلق بطبيعة العلاقة المهنية، تضيف: “إن بعض الترتيبات كانت تبدأ، باتفاق مبدئي عبر واتساب بدل عقد مكتوب، ولا سيما مع العدد الكبير من المتعاونين الذين عملوا مع (BBC) من غزة”.

ماذا يقول القانون؟

بدوره، يرى المحامي في المركز الفلسطيني للتنمية والحريات الإعلامية “مدى”، فراس كراجة، أن تأخير مستحقات العاملين في (BBC) “يرتقي للمخالفة الجزائية، وليس مجرد مخالفة لقانون العمل”، موضحًا أن حجز الأجر أو عدم دفعه قد يشكل مخالفة ذات شق جزائي، تتيح للعامل تقديم شكوى لدى وزارة العمل، وقد تفضي إلى إحالة المسؤول إلى النيابة العامة.

ويرى كراجة أن اعتماد (BBC) نظام العمل بالقطعة مع عدد كبير من الصحفيين/ات في غزة، بدل عقود واضحة تتضمن الأجر والحقوق والتأمين، أتاح لها، بحسب تقديره، التنصل من بعض التزاماتها، خصوصًا المتعلقة بالحماية في ظروف الحرب.

كما أن تأخر المستحقات بذريعة انهيار النظام المصرفي لا يعفي المؤسسة -وفق قوله- من إيجاد وسيلة لإيصال الأجور، ملفتًا إلى أن الصحفيين في غزة تمكنوا من استقبال حوالات بوسائل مختلفة.

ويشير كراجة إلى أن متابعة هذه الحالات لا ينبغي أن تقتصر على معالجة كل حالة منفردة، داعيًا إلى تقديم شكوى لدى وزارة العمل، والاستعانة بممثل قانوني لمتابعة الملف في رام الله، والتواصل مع النقابات والاتحادات والمؤسسات الصحفية الدولية، إلى جانب إمكانية اللجوء إلى القضاء الفلسطيني للمطالبة بالحقوق.

ويضيف: “إن عدم تسجيل المؤسسة أو وجود مكتب لها في الأراضي الفلسطينية لا يعني بالضرورة تعذر متابعتها، إذ يمكن للجهات الحكومية المختصة اتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة بحقها”.

ويضع قانون العمل الفلسطيني جزاءً على مخالفة أحكام الأجور؛ إذ تنص المادة (82) على عدم جواز تأخير أجر العامل أكثر من خمسة أيام من تاريخ استحقاقه، فيما تفرض المادة (132) غرامة على صاحب العمل عند مخالفة أحكام الأجور، مع إلزامه بدفع فرق الأجر للعامل، وتتعدد الغرامة بتعدد العمال المتضررين.

كما يخول القانون وزارة العمل، عبر مفتشي العمل، استقبال الشكاوى والبلاغات بشأن مخالفات تشريعات العمل، وإبلاغ الجهات المختصة بالمخالفات التي يكتشفونها، ويتمتع مفتشو العمل بصلاحيات الضبطية القضائية.

وبذلك، فإن دعوة كراجة للتوجه إلى وزارة العمل وتقديم شكوى تستند إلى مسار نص عليه القانون، وإن كان تحديد المسؤولية والعقوبة في كل حالة يتطلب بحث انطباق القانون على العلاقة المهنية محل الشكوى.

وطوال فترة الإبادة، كانت وزارة العمل الفلسطينية تعمل في قطاع غزة بشكل محدود وإلكتروني أو عبر المتابعات التنسيقية مع الجهات الحكومية والدولية وسط دمار واسع وتوقف شبه تام للخدمات المؤسسية جراء استمرار القصف والنزوح.

تواصل معدّا التحقيق مع منال الحتة، مديرة وحدة العلاقات العامة والإعلام في الوزارة بغزة، لمعرفة حجم شكاوى الصحفيين والعاملين في المؤسسات الإعلامية خلال الإبادة بشأن الأجور والعقود والمستحقات، وكيف تعاملت الوزارة معها، إلى جانب موقفها من حقوق الصحفيين العاملين بصفة “متعاونين” أو مستقلين دون عقود مكتوبة، ومسؤولية المؤسسات عن أجورهم وإصاباتهم وتأمينهم وتعويضاتهم، والإجراءات التي يمكن اتخاذها بحق المؤسسات المخالفة، بما فيها المؤسسات الإعلامية الدولية غير المسجلة في فلسطين، فضلًا عن آليات حماية حقوق الصحفي أو أسرته في حال إصابته أو وفاته أثناء أداء العمل، فجاء الرد متحفظًا للغاية: “لم تصلنا أي شكوى من أي صحفي، وعلى الصحفيين المتضررين التقدم بشكاوى للوزارة مقرونةً بالإثباتات وكافة الأوراق اللازمة”.

عقد على الورق ماذا يغطي؟

وإذا كان غياب العقد أحد أوجه المشكلة، فإن وجوده لا يعني بالضرورة أن كل تفاصيل العلاقة والمسؤوليات تصبح محسومة.

حصل معدّا التحقيق على نسخة من عقد بين شبكة الجزيرة الإعلامية ومصور أخبار للعمل في غزة. ويصنف العقد المصور باعتباره “متعاقدًا مستقلًا” وليس موظفًا، لمدة شهرين، مقابل 1500 دولار شهريًا، مع إمكانية إنهاء العلاقة بإشعار خطي مدته خمسة أيام.

ويتناول العقد الأجور والمصروفات والمعدات وحقوق الملكية الفكرية والسرية وإنهاء العلاقة، كما ينص على أن المتعاقد الذي يستخدم معداته الخاصة مسؤول عن توفير التأمين المناسب لها.

لكن مراجعة البنود لم تُظهر نصًا صريحًا بشأن تأمين صحي أو تأمين على الحياة، أو تعويض محدد في حال الإصابة أو الوفاة أثناء أداء المهمة.

كما ينص العقد على خضوعه للقانون القطري والاختصاص الحصري للمحاكم القطرية، ويحدد في الوقت نفسه مكان العمل في غزة، ويلزم المتعاقد بالعمل وفق تعليمات ممثل المؤسسة والالتزام بإجراءاتها وسياساتها.

وهنا تظهر المفارقة التي يصعب حسمها بالاسم وحده، فالعقد يسمي الصحفي “متعاقدًا مستقلًا”، بينما تتضمن العلاقة عناصر من التكليف والإشراف وتحديد مكان العمل.

ويؤكد المحامي عبد الله شرشرة أن طبيعة العلاقة لا يحسمها الاسم وحده، بل كيفية تنفيذها فعليًا، ويمكن أن تدخل في تقييمها المراسلات، والتكليفات، والتحويلات، وسجلات العمل، والمواد المنشورة وشهادات الزملاء.

عندما يصبح الخطر جزءًا من العمل

ولا تنتهي الأسئلة عند شكل العلاقة التعاقدية، فحتى حين يعمل الصحفي بصفته “متعاونًا”، يبقى الخطر جزءًا من المهمة التي يؤديها لصالح المؤسسة.

ويؤكد الصحفي يوسف فارس، المهتم بقضايا الصحفيين، أنه اطّلع على عقد الصحفي حسام شبات مع قناة الجزيرة مباشر، بعد مقتله في الرابع والعشرين من مارس/ آذار- 2025م، حين استهدفته طائرة مُسيّرة إسرائيلية بصاروخ أثناء وجوده داخل سيارته.

وأوضح فارس أن العقد صيغ باعتباره “متعاونًا” بعد ارتفاع حجم التغطيات التي كان يقدمها للقناة.

وبحسب فارس، لم يتضمن العقد حقوقًا واضحة لشبات في حال الاستغناء عنه أو وفاته، وإنما حدد المقابل المالي وفق حجم العمل.

ويشير إلى أن شبات كان ينفذ عددًا كبيرًا من الجولات والتغطيات الميدانية لصالح القناة، وكانت تعتمد عليه في الصور والتغطية، قبل أن تصفه، بعد مقتله، بأنه “متعاون مع قناة الجزيرة”.

ويرى فارس أن صفة “المتعاون” لا تعفي المؤسسة من مسؤوليتها المهنية تجاه سلامة الصحفي أثناء المهام الخطرة، معتبرًا أن توفير الخوذة والدرع ووسائل النقل الآمنة وبدل المخاطرة جزء من متطلبات العمل في بيئة حرب.

ويتقاطع ذلك مع المعايير المهنية التي يضعها الاتحاد الدولي للصحفيين، التي تشمل التدريب على العمل في البيئات الخطرة، وتوفير معدات السلامة والحماية الصحية، والتأمين ضد الإصابة والوفاة، من دون تمييز في الحماية بين الموظفين والعاملين المستقلين.

وتظهر تجربة الصحفية دعاء روقة جانبًا آخر من هذه المسؤولية. فقد عملت مع وكالة إعلامية دولية بموجب اتفاق شفهي، وكانت تتلقى تعليماتها مباشرة من مديرها في غزة، وفق إفادتها.

تقول: “المؤسسة أجلَت موظفين أساسيين لديها في الأيام الأولى للحرب، ثم تواصلت معي للعمل من شمالي غزة. وحصلتُ على خوذة وسترة واقية، لكن من دون مسار واضح للإجلاء أو خطة محددة للخروج من مناطق الخطر”.

وعندما اشتد الحصار على مجمع الشفاء الطبي، طُلب منها المغادرة. تقول: “خرجتُ سيرًا على الأقدام، والرصاص يحيط بي من كل اتجاه”، من دون تنسيق مهني واضح للإجلاء أو توفير مسار آمن للخروج.

واصلت روقة العمل مع المؤسسة لنحو عام ونصف بنظام القطعة، لتضيف تجربتها سؤالًا آخر إلى ما يكشفه التحقيق: “هل تقتصر مسؤولية المؤسسة عن سلامة الصحفي على تزويده بمعدات الحماية، أم تمتد إلى التخطيط لما سيحدث عندما يصبح الخطر وشيكًا؟”.

وفي القانون الفلسطيني، لا تُعامل السلامة المهنية بوصفها مسؤولية شخصية للعامل. فالمادة (90) من قانون العمل تضع ضمن أنظمة السلامة وسائل الحماية الشخصية والوقاية ووسائل الإسعاف الطبي، فيما تنص المادة (92) على عدم تحميل العامل نفقات توفير شروط السلامة والصحة المهنية.

وتبقى هذه الأحكام مرتبطة بالعلاقات التي تخضع للقانون، ولا تنطبق تلقائيًا على كل علاقة تعاقدية مع مؤسسة أجنبية.

ماذا يحدث بعد الإصابة؟

إذا كان توفير الحماية قبل المهمة هو أحد وجوه المسؤولية، فإن اختبارها الأوضح يأتي عندما يقع الضرر.

في 7 يناير/كانون الثاني 2024م، تعرضت مركبة تحمل إشارة تلفزيونية لقصف مباشر أثناء عودتها من تغطية مجزرة عائلة أبو النجا في ميراج شمال شرقي رفح. استشهد الصحفيان حمزة وائل الدحدوح ومصطفى أبو ثريا، والسائق قصي سالم، وأصيب المصور محمد القهوجي والصحفي حازم رجب.

يقول القهوجي: “لم أتلقَّ تدريبًا متخصصًا للعمل في مناطق الحرب، واعتمدتُ بصورة أساسية على خبرتي الميدانية. وبعد إصابتي، طلبتُ المساعدة في العلاج من نقابة الصحفيين الفلسطينيين، لكنني لم أحصل عليها”.

ويضيف: “تم إهمالنا، سواء من قبل المؤسسة التي كنا نقوم بالتصوير لها أو المؤسسات النقابية.. وحتى اليوم”.

لكن أمين سر النقابة عاهد فروانة يقدم روايةً مختلفة، إذ يوضح أن الطلب الذي وصل إلى النقابة كان متعلقًا بالسفر، وليس طلبًا مباشرًا للمساعدة في العلاج، وأن النقابة لم تتلقَّ شكوى محددة ضد المؤسسة بهذا الشأن.

ويقول فروانة: “النقابة تستقبل شكاوى تتعلق بالعقود والفصل والمستحقات”، مشددًا على أن وجود عقد يمكن أن يؤثر في تحديد حقوق الصحفي بعد إصابته.

ويشير إلى حالةٍ تقدم فيها صحفي بطلبٍ للحصول على تعويض عن معدات فقدها خلال استهداف أثناء عمله مع الجزيرة، ويعلق: “النقابة بدأت إجراءات بهذا الخصوص”.

أما قانون العمل الفلسطيني، فإذا انطبقت أحكامه على العلاقة، فيفرض على صاحب العمل التأمين عن إصابات العمل، وتقديم الإسعافات ونقل المصاب للعلاج والتبليغ عن الإصابة، كما يلزمه بتغطية نفقات علاج العامل المصاب وتأهيله. وفي حالة وفاة العامل أو إصابته بعجز كلي دائم، ينص القانون على تعويض نقدي للورثة أو المصاب وفق المعادلة المحددة في المادة (120).

وهنا لا تعود المسألة متعلقة فقط بما إذا كان الصحفي يحمل عقدًا، بل بمن يتحمل المسؤولية عندما تقع الإصابة.. إلى من يتوجه؟ وما الحقوق التي يستطيع إثباتها؟ وعلى أي أساس تحدد مسؤولية المؤسسة؟

حماية الصحفي.. ومسؤولية المؤسسة

لكن المسؤولية لا تبدأ من العقد ولا تنتهي عنده، فالصحفي العامل في منطقة نزاع يتمتع -من حيث الأصل- بحماية مختلفة عن الحقوق التي تنشأ من علاقته بالمؤسسة.

وتنص المادة (79) من البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977م على اعتبار الصحفيين الذين يؤدون مهام مهنية خطرة في مناطق النزاع المسلح مدنيين، ومنحهم الحماية المقررة للمدنيين ما داموا لا يقومون بأعمال تضر بوضعهم المدني.

وتؤكد اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن هذه الحماية تندرج ضمن القواعد العامة لحماية المدنيين من الهجمات المباشرة.

لكن الحماية التي يمنحها القانون الدولي للصحفي في النزاع لا تحدد، في حد ذاتها، حقوقه المالية تجاه المؤسسة التي يعمل معها، فتلك الحقوق ترتبط بطبيعة العلاقة المهنية، والعقد إن وجد، والقانون الواجب التطبيق.

وتكشف الحالات التي وثقها التحقيق عن ثلاثة مستويات متداخلة: حماية الصحفي من أخطار الحرب، وحمايته مهنيًا أثناء أداء المهمة، ثم حقوقه المالية والقانونية الناشئة عن علاقته بالمؤسسة.

مشكلة تتجاوز حالة واحدة

ولا تبدو هذه الإشكالات محصورة في الحالات التي وثقها التحقيق. يقول محمد ياسين، مدير منتدى الصحفيين الفلسطينيين: “إن المنتدى تابع خلال الحرب شكاوى وحالات تتعلق بتوقف العمل، والمستحقات المالية، وغياب الضمانات بعد إصابة الصحفي أو عدم قدرته على مواصلة العمل”.

ويشير إلى أن بعض الحالات لم تصل في صورة شكاوى رسمية، وإنما عبر تواصل مباشر أو منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي.

وبحسبه، فإن غياب العقد المكتوب يضعف موقف الصحفي، لكنه لا يعني بالضرورة سقوط حقوقه إذا استطاع إثبات طبيعة العلاقة والعمل الذي كان يؤديه.

ويؤكد ياسين أن المنتدى يتعامل مع الحالات فرديًا، ويتجنب توجيه اتهامات علنية قبل التحقق من الوقائع، “مع مراعاة الضغوط المالية والتشغيلية التي تواجه المؤسسات الإعلامية خلال الإبادة”.

ومع جمع هذه الحالات، تتضح المشكلة في غياب “شبكة أمان” تبدأ من علاقة مهنية واضحة، وأجر معلوم، وآلية دفع قابلة للإثبات، ولا تنتهي عند التأمين والحماية وتقييم المخاطر وخطط الإخلاء والعلاج، وصولًا إلى آلية واضحة للتعامل مع الإصابة أو العجز أو الوفاة.

فالخطر جزء من طبيعة العمل الصحفي في الحرب، لكن ترك تفاصيل الحماية والمسؤولية معلقة إلى ما بعد وقوع الضرر ينقل عبء إثبات العلاقة والحق إلى الصحفي أو أسرته في أكثر لحظاتهم هشاشة.

وعندما يتحول الخطر المهني إلى إصابة، أو العمل إلى عجز، أو تنتهي المهمة بالموت، يبقى السؤال الذي يختصر جوهر القضية: من كان مسؤولًا عنه عندما خرج إلى الميدان؟ ومن يحميه عندما يعود مصابًا؟ ومن يحمي أسرته إذا لم يعد؟

تنويه: تم اعداد هذا التحقيق الاستقصائي بدعم من الاتحاد الأوروبي ضمن مشروع Engage تنفيذ جمعية فلسطينيات بالشراكة مع جامعة النجاح الوطنية. ولا يعكس محتوى هذا التحقيق بأي شكل من الاشكال وجهة نظر الاتحاد الأوروبي.

 

مقالات الرأي عبر موقعنا الإخباري تمثل كُتابها، ولا تعبر بالضرورة عن أفكار وتوجهات المؤسسة. نوفر هذه المساحة كمنبر حر يتيح للجميع التعبير عن أفكارهم وآرائهم، بإحترام وبما لا يتعارض مع القيم والمصالح العامة للشعب الفلسطيني.

 

 

#أخبار_البلد

زر الذهاب إلى الأعلى